فنقصان التوكل يظهر بظهور النفس ، وكماله يثبت بغيبة النفس ، وليس للأقوياء اعتداد بتصحيح توكلهم ، وإنما شغلهم في تغييب النفس بتقوية مواد القلب ، فإذا غابت النفس انحسمت مادة الجهل ، فصح التوكل ، والعبد غير ناظر إليه ، وكلما تحرك من النفس بقية يرد على ضميرهم سر قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
. . . « 1 » فيغلب وجود الحق الأعيان والأكوان ، ويرى الكون باللّه من غير استقلال الكون في نفسه ، ويصير التوكل حينئذ اضطرارا ، ولا يقدح في توكل مثل هذا المتوكل ما يقدح في توكل الضعفاء في التوكل من وجود الأسباب والوسائط ، لأنه يرى الأسباب مواتا لا حياة لها إلا بالتوكل ، وهذا توكل خواص خواص أهل المعرفة .
قولهم في الرضى :
قال الحارث : الرضى سكون القلب تحت جريان الحكم .
وقال ذو النون : الرضى سرور القلب بمر القضاة .
وقال سفيان عند رابعة : اللهم ارض عنا ، فقالت له : أما تستحى أن تطلب رضى من لست عنه براض ؟ فسألها بعض الحاضرين متى يكون العبد راضيا عن اللّه تعالى ؟ فقالت : إذا كان سروره بالمصيبة كسروره بالنعمة .
وقال سهل : إذا اتصل الرضى بالرضوان اتصلت بالطمأنينة ، فطوبى لهم وحسن مآب .
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( ( ذاق طعم الإيمان من رضى باللّه ربا ) ) .
وقال عليه السلام : ( ( إن اللّه تعالى بحكمته جعل الروح والفرح في الرضى واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ) ) .
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : الآية 42 .