وحيث لم نجد في كلام اللّه تعالى ذكر السر بالمعنى المشار إليه ورأينا الاختلاف في القول فيه .
وأشار قوم إلى أنه دون الروح ، وقوم إلى أنه لطف من الروح فنقول واللّه أعلم :
الذي سموه سرا ليس هو بشئ مستقل بنفسه له وجود وذات كالروح والنفس ، وإنما لما صفت النفس وتزكت انطلق الروح من وثاق ظلمة النفس ، فأخذ في العروج إلى أوطان القرب ، وانتزح القلب عند ذلك عن مستقره متطلعا إلى الروح .
فاكتسب وصفا زائد على وصفه ، فانعجم على الواجدين ذلك الوصف حيث رأوه أصفى من القلب فسموه سرا .
ولما صار للقلب وصف زائد على وصفه بتطلعه إلى الروح ، اكتسب الروح وصفا زائدا في عروجه ، وانعجم على الواجدين فسموه سرا . والذي زعموا أنه ألطف من الروح ، روح متصفة بوصف أخص مما عهدوه ، والذي سموه قبل الروح سرا هو قلب اتصف بوصف زائد غير ما عهدوه .
وفي مثل هذا الترقي من الروح والقلب تترقى النفس إلى محل القلب ، وتنخلع من وصفها ، فتصير نفسا مطمئنة تريد كثيرا من مرادات القلب من قبل ، إذا صار القلب يريد ما يريده مولاه ، متبرئا عن الحول والقوة والإرادة والاختيار .
وعندها ذاق طعم صرف العبودية ، حيث صار حرا عن إرادته واختياراته . وأما العقل فهو لسان الروح وترجمان البصيرة ، والبصيرة للروح بمثابة القلب ، والعقل بمثابة اللسان .
عوارف المعارف — صفحة 506
مساهمون: عمر السهروردي
ص٥٠٦