وأيضا مرآة القلب إذا انجلت لاحت فيها الدنيا بقبحها وحقيقتها وماهيتها ، ولاحت الآخرة ونفائسها بكنهها وغايتها ، فتنكشف للبصيرة حقيقة الدارين ، وحاصل المنزلين ، فيحب العبد الباقي ويزهد في الفاني ، فتظهر فائدة التزكية ، وجودي المشيخة والتربية .
فالشيخ من جنود اللّه تعالى يرشد به المريدين ، ويهدي به الطالبين .
أخبرنا أبو زرعة عن أبيه الحافظ المقدسي قال : أنا أبوا الفضل عبد الواحد بن علي بهمذان قال : أنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الطوسي قال :
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال : حدثا أبو عتبة قال : وحدثنا بقيه قال : حدثنا صفوان بن عمرو قال : كان يقال : إذا اجتمع عشرون رجلا أو أكثر ، فإن لم يكن فيهم من يهاب اللّه عز وجل فقد خطر الأمر .
فعلى المشايخ وقار اللّه ، وبهم يتأدب المريدون ظاهرا وباطنا ، قال اللّه تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
( 90 ) « 1 » .
فالمشايخ لما اهتدوا أهلوا لاقتداء بهم ، وجعلوا أئمة المتقين . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حاكيا عن ربه « إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت همته ولذاته في ذكرى ، فإذا جعلت همته ولذته في ذكرى عشقني وعشقته ، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، لا يسه إذا سها الناس ، أولئك كلامهم كلام الأنبياء ، أولئك الأبطال حقا ، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ذكرتهم فيه فصرفته بهم عنهم » .
والسر في وصول السالك إلى رتبة المشيخة ، أن السالك مأمور بسياسة النفس ، مبتلى بصفاتها ، لا يزال يسلك بصدق المعاملة حتى تطمئن نفسه ، وبطمأنينتها ينتزع عنها البرودة واليبوسة التي استصحبتها من أصل خلقتها ،
هامش
( 1 ) سورة الأنعام آية : 90 .