وكان أنس بين مالك يقول : سلوا مولانا الحسن ، فإنه قد حفظ ونسينا .
فكانوا يردون الناس إليهم في علم الفتوى والأحكام ، ويعلمونهم حقائق اليقين ودقائق المعرفة ، وذلك لأنهم كانوا أقوم بذلك من التابعين ، صادفتهم طراوة الوحي المنزل ، وغمرهم غزير العلم المجمل والمفصل ، فتلقي منهم طائفة مجملة ومفصلة ، وطائفة مفصلة دون مجملة . والمجمل أصل العلم ، ومفصلة المكتسب بطهارة القلوب وقوة الغريزة وكمال الاستعداد ، وهو خاص بالخواص . قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
( 125 ) « 1 » .
وقال تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ
( 108 ) « 2 » .
فلهذه السبيل سابلة ، ولهذه الدعوات قلوب قابله ، فمنها نفوس مستعصية جامدة ، باقية على خشونة طبيعتها وجبلتها ، فلينها بنار الإنذار والموعظة والحذار ، ومنها نفوس زكية من تربة طيبة ، موافقة للقلوب ، قريبة منها ، فمن كانت نفسه ظاهرة على قلبه دعاه بالحكمة .
فالدعوة بالموعظة أجاب بها الأبرار ، وهي الدعوة بذكر الجنة والنار ، والدعوة بالحكمة أجاب بها المقربون ، وهي الدعوة بتلويح منح القرب ، وصفو المعرف ، وإشارة التوحيد . فلما وجدوا التلويحات الحقانية ، والتعريفات الربانية ، أجابوا بأرواحهم وقلوبهم ونفوسهم ، فصارت متابعة ، الأقوال إجابتهم نفسا ، ومتابعة ، الأعمال إجابتهم قلبا ، والتحقق بالأحوال إجابتهم روحا . فإجابة الصوفية بالكل ، وإجابة غيرهم بالبعض .
قال عمر رضي اللّه عنه : رحم اللّه تعالى صيبا لو لم يخف اللّه لم يعصه ، يعني لو كتب له كتاب الأمان من النار حمله صرف المعرفة بعظيم أمر اللّه على القيام بواجب حق العبودية أداء لما عرف من حق العظمة .
هامش
( 1 ) سورة النحل آية 125
( 2 ) سورة يوسف آية 108