وللإيمان في كل فرع من فروعه علوم ، فعلوم الإسلام علوم اللسان ، وعلوم الإيمان علوم القلوب . ثم علوم القلوب . لها وصف خاص ، ووصف عام ، فالوصف العام علم اليقين ، وقد يتوصل إليه بالنظر والاستدلال ، ويشترك فيه علماء الدنيا مع علماء الآخرة ، وله وصف خاص يختص به علماء الآخرة ، وهي السكينة التي أنزلت في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم .
فعلى هذا جميع الرتب يشملها اسم الإيمان بوصفه الخاص ، ولا يشملها بوصفه العام ، فبالنظر إلى الوصف الخاص اليقين ومراتبه من الإيمان ، وإلى وصفه العام اليقين زيادة على الإيمان ، والمشاهدة وصف خاص في اليقين ، وهو عين اليقين . وعين اليقين وصف خاص وهو حق اليقين ، فحق اليقين إذن فوق المشاهدة ، وحق اليقين موطنه ومستقره في الآخرة ، وفي الدنيا منه لمح يسير لأهله ، وهو من أعز ما يوجد من أقسام العلم باللّه لأنه وجدان .
فصار علم الصوفية وزهاد العلماء نسبته إلى علم علماء الدنيا الذين ظفروا باليقين بطريق النظر والاستدلال ، كنسبة ما ذكرناه من علم الوارثة والدراسة علمهم بمثابة اللبن ، ففضيلة الإنسان بفضيلة العلم ، ووزانة الأعمال على قدر الحظ من العلم .
وقد ورد في الخبر " فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي "
والإشارة في هذا العلم ليس إلى علم البيع والشراء ، والطلاق والعتاق ، وإنما الإشارة إلى العلم باللّه تعالى وقوة اليقين .
وقد يكون العبد عالما باللّه تعالى ، ذا يقين كامل ، وليس عنده علم من فروض الكفايات ، وقد كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أعلم من علماء التابعين بحقائق اليقين ودقائق المعرفة ، وقد كان علماء التابعين فيهم من هو أقوم بعلم التقوى والأحكام من بعضهم .
روي أن عبد اللّه بن عمر كان إذا سئل عن شئ يقول : سلوا سعيد بن المسيب .
وكان عبد اللّه بن عباس يقول : سلوا جابر بن عبد اللّه ، لو نزل أهل البصرة على فتياه لوسعهم .
عوارف المعارف — صفحة 51
مساهمون: عمر السهروردي
ص٥١