وقد جعل أبو حنيفة رحمه اللّه القهقهة في الصلاة من الذنب ، وحكم ببطلان الوضوء بها وقال : يقوم الإثم مقام خروج الخارج .
فالاعتدال في المزاح والضحك لا يتأتى إلا إذا خلص وخرج من مضيق الخوف والقبض والهيبة ، فإنه يتقوم بكل مضيق من هذه المضايق بعض التقويم ، فيعتدل الحال فيه ويستقيم ، فالبسط والرجاء ينشئان المزاح والضحك ، والخوف والقبض يحكمان فيه بالعدل .
ومن أخلاق الصوفية ترك التكلف ، وذلك أن التكلف تصنع وتعمل وتمايل على النفس لأجل الناس ، وذلك يباين حال الصوفية ، وفي بعضه خفى منازعة للأقدار ، وعدم الرضا بما قسم الجبار .
ويقال : التصوف ترك التكلف .
ويقال : التكلف تخلف ، وهو تخلف عن شأو الصادقين .
روى أنس بن مالك قال : شهدت وليمة لرسول اللّه ما فيها خبز ولا لحم .
وروى عن جابر أنه أتاه ناس من أصحابه فأتاهم بخبز وخل وقالوا :
كلوا فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « نعم الإدام الخل » .
وعن سفيان بن سلمة قال : دخلت على سلمان الفارسي فأخرج إلى خبزا وملحا وقال : كل ، لولا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهانا أن يتكلف أحد لأحد لتكلفت لكم .
والتكلف مذموم في جميع الأشياء ، كالتكلف بالملبوس للناس من غير نية فيه ، والتكلف في الكلام ، وزيادة التملق الذي صار دأب أهل الزمان ، فما يكاد يسلم من ذلك إلا آحاد وأفراد . وكم من متملق لا يعرف أنه تملق ولا يفطن له ، فقد يتملق الشخص إلى حد يخرجه إلى صريح النفاق ، وهو مباين لحال الصوفي .
عوارف المعارف — صفحة 282
مساهمون: عمر السهروردي
ص٢٨٢