قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
« 1 » . لما رأى مفاتحه تنوء بالعصبة أولى القوة . فأما الفرح بالأقسام الأخروية فمحمود ينافس فيه . قال اللّه تعالى :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
« 2 » .
وفسر عبد اللّه بن المبارك حسن الخلق فقال : هو بسط الوجه ، وبذل المعروف ، وكف الأذى .
فالصوفية راضوا نفوسهم بالمكابدات والمجاهدات حتى أجابت إلى تحسين الأخلاق . وكم من نفس تجيب إلى الأعمال ولا تجيب إلى الأخلاق .
فنفوس العباد أجابت إلى الأعمال ولا تجيب إلى الأخلاق . فنفوس العباد أجابت إلى الأعمال وجمحت عن الأخلاق ، ونفوس الزهاد أجابت إلى بعض الأخلاق دون البعض ، ونفوس الصوفية أجابت إلى الأخلاق الكريمة كلها .
أخبرنا الشيخ أبو زرعة إجازة عن أبي بكر بن خلف إجازة عن السلمى قال سمعت حسين بن أحمد بن جعفر يقول سمعت أبا بكر الكتاني يقول :
التصوف خلق فمن زاد عليك بالخلق زاد عليك بالتصوف .
فالعباد أجابت نفوسهم إلى الأعمال لأنهم يسلكون بنور الإسلام ، والزهاد أجابت نفوسهم إلى بعض الأخلاق لكونهم سلكوا بنور الإيمان .
والصوفية أهل القرب سلكوا بنور الإحسان ، فلما باشر بواطن أهل القرب والصوفية نور اليقين ، وتأصل في بواطنهم ذلك انصلح القلب بكل أرجائه وجوانبه ، لأن القلب يبيض بعضه بنور الإسلام ، وبعضه بنور الإيمان ، وكله بنور الإحسان والإيقان ، فإذا ابيض القلب وتنور انعكس نوره على النفس .
وللقلب وجه إلى النفس ووجه إلى الروح . وللنفس وجه إلى القلب ووجه إلى الطبع والغريزة . والقلب إذا لم يبيض كله لم يتوجه إلى الروح بكله ، ويكون ذا وجهين : وجه إلى الروح ، ووجه إلى النفس ، فإذا ابيض كله
هامش
( 1 ) سورة القصص : آية 76 .
( 2 ) سورة يونس : آية 10 .