ينتقل منه فورا إلى نسق آخر في فاصلة تقف عند النون دون التفات إلى الصيغة الأولى الساربة في طريقها البياني
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 )
« 1 » . فإذا جاز للقرآن الانتقال بها ، جاز له الانتقال فيما قبلها كما هو ظاهر ، بل أن هذا اللفظ « المقابر » يفرض نفسه فرضا بيانيا قاطعا ، دون حاجة إلى النظر في الفاصلة معه ، أو مع محسّنات الفاصلة ، وذلك أن هذا الإنسان المتناسي الطاغي المتكاثر بأمواله ولذاته ، وشهواته ، ومدخراته ، ونسائه ، وأولاده ، ودوره ، وقصوره ، وخدمه ، وحشمه ، وإداراته ، وشؤونه ، وسلطانه ، وعنوانه ، وهذا كله تكاثر قد يصحبه التفاخر ، والتنابز ، والتنافر ، أقول : إن هذا مما يناسبه لفظ « المقابر » بلاغيا ولغويا ، فالمقابر جمع مقبرة ، والمقبرة الواحدة مرعبة هائلة ، فإذا ضممنا مقبرة مترامية الأطراف إلى مقبرة مثلها ، ومقبرة أخرى ، ازددنا إيحاشا ورعبا وفزعا ، فإذا أصبحت مقابر عديدة ، تضاعف الرعب والرهب ، إذن هذا التكاثر الشهواني في كل شيء ، يوافقه - بدقة متناهية - الجمع المليوني للقبور ، لتصبح مقابر لا قبورا ، ولو قيل في غير القرآن بمساواة القبور للمقابر في الدلالة لما سدّ هذا الشاغر الدلالي شيء آخر من الألفاظ ، فهو لها فحسب « 2 » .
إذن ليست هذه الصيغة البلاغية في استعمال المقابر مجرد ملائمة صوتية للتكاثر ، وقد يحسّ أهل هذه الصنعة ونحن معهم فيها ، نسق الإيقاع ، وانسجام النغم ، ولكن ليس هذا كل شيء « 3 » .
ولا يعني هذا التغافل عن مهمة الانسجام الصوتي ، والواقع الموسيقى في ترتيب الفواصل القرآنية ، فهي مرادة في حد ذاتها إيقاعيا ، ولكن يضاف إليها غيرها من الأغراض الفنية ، والتأكيدات البيانية ، مما هو مرغوب فيه عند علماء البلاغة ، فقوله تعالى :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 )
« 4 » . فقد تقدم المفعول به في الآيتين ، وهو اليتيم في الأولى ،
هامش
( 1 ) التكاثر : 3 - 4 .
( 2 ) ظ : المؤلف ، تطور البحث الدلالي : 70 بتصرف .
( 3 ) ظ : بنت الشاطي ، التفسير البياني : 1 / 207 بتصرف .
( 4 ) الضحى : 9 - 10 .