الأمة قد أجمعت عليها من قبل .
ومما يزيد الأمر وضوحا ما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني وهو يعلق على ما روي من أن الحجاج غيّر حروفا في مصاحف أهل العراق وهو قوله « 1 » : « قد روي أن الحجاج قدم العراق ولم يكن أحد من الأمراء أشد نظرا في مصاحف منه ، وكان الناس يكتبون في مصاحفهم أشياء ، كانوا يكتبون ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ) و ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ) ، وأشياء غير هذا ، فبعث الحجاج إلى حفاظ البصرة وخطاطها فجمعهم عنده ثم أدخل عليه منهم خمسة : هم أبو العالية ( ت 90 وقيل 96 ) ونصر بن عاصم الجحدري « 2 » . وابن أصمع ومالك بن دينار ، وبعث الحجاج فأتى بمصحف عثمان ، وهو عندئذ عند آل عثمان فقال لهؤلاء الخمسة « 3 » اكتبوا المصاحف واعرضوا وصيروا فيما اختلفتم فيه إلى قول هذا الشيخ ، يعني :
الحسن ، فغيروا أحد عشر حرفا بأمر الحسن والجماعة المذكورة ، قال الراوي : قلت لمالك : من ولي له العرض ؟ قال : عاصم الجحدري . قلت : الحسن فيهم ؟ قال : كان شيخهم » .
ويفهم من هذه الرواية أن الحروف التي غيروها قد تم تغييرها على ضوء ما هو موجود في المصحف العثماني ، وقد كان هؤلاء الجماعة الذين قاموا بالعمل من أئمة البصرة في علم القرآن ، فدعاهم الحجاج من هناك إلى الكوفة فإن عاصما الجحدري كان من علماء الرسم والقراءة ( ت 128 ه ) وإن مالك بن دينار كان من مجودي الخط وكان يكتب المصاحف بالأجرة ، وكان من أحفظ الناس للقرآن ( ت 127 ه ) « 4 » . أما الحسن ( ت 110 ه ) فقد كان إمام أهل البصرة في زمانه علما وعملا « 5 » ، وكان أبو العالية من كبار التابعين ، وقد قال عنه ابن أبي داود : ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن
هامش
( 1 ) نكت الانتصار ، ص 396 .
( 2 ) لعل المقصود به عاصم الجحدري الذي أشير إليه في روايتي ابن قتيبة وأبي الطيب ، وكما يتضح ذلك في آخر الرواية التي ينقلها الباقلاني نفسها .
( 3 ) لم يذكر إلا أربعة ، ولعل الخامس هو الحسن المذكور بعد قليل أنه كان شيخهم .
( 4 ) ابن الجزري : غاية النهاية ، ج 2 ، ص 36 .
( 5 ) نفس المصدر ، ج 1 ، ص 235 .