إن هذا الموضوع يبدو أكثر تعقيدا من موضوع تمثيل الحركات ولذلك فهو لا يخلو من غموض ، لنقص في الوثائق والروايات ، ومن ثم سوف أتناوله بما تيسر من الروايات التاريخية محاولا الاستعانة بالوثائق المخطوطة القليلة في الوصول إلى المعالم البارزة لتاريخ تمييز الرموز المتشابهة الصور ، تاركا القضية بعد ذلك لجهود الباحثين ، وما يمكن أن يكشفه المستقبل من روايات أو وثائق مخطوطة تصحح وتوضح ما بأيدي الناس اليوم .
وإذا تجاوزنا الرواية التي تنسب وضع الإعجام في الكتابة العربية إلى عامر بن جدرة « 1 » ، وحاولنا الاستعانة بالروايات التاريخية الأخرى نجدها على قسمين : قسم يرى أن واضع الشكل هو الذي وضع الإعجام ، فقد قال الجعبري « 2 » : « الظاهر أن مبتدعه واضع الشكل » وقال ابن عاشر الأنصاري « 3 » : « لم أجد نصا في تعيين أول من نقط في المصاحف نقط الإعجام ، وقال الجعبري في خاتمة الجميلة ( الخميلة ) الظاهر أن مبتدعه واضع الشكل ، ويظهر لي واللّه أعلم أنهم لم يتعرضوا له لأنه كان موجودا في نفسه » ، ولا تعطي هذه الرواية تاريخا محددا ، ولا تقدم شيئا جديدا « 4 » ، أما القسم الثاني من الروايات فهو أقدم بكثير من السابقة ، ومن الغريب أن الجعبري وابن عاشر لم يطلعا عليها ، وهي في الحقيقة رواية واحدة ، ورغم أنها تقدم معلومات محددة ، وتربط إدخال العلامات المميزة للرموز المتشابهة بأشخاص معروفين وبزمان ومكان معينين ، إلا أنها لم تسلم من الغموض الذي يدفع إلى عدم الاطمئنان الكامل إلى ما ورد فيها .
هامش
الطرف ما يشبه حرف السين ، ونجد أمثلة لذلك في بعض مخطوطات المصاحف القديمة وبعض النقوش ، ويقدّم مصحف جامع عمرو أمثلة متعددة ، من ذلك ( 48 / 26 ) ( فأنزل اللّه سكينته ) إذ نجد أن سنّتي الياء والتاء في كلمة ( سكينته ) جاءتا أطول من سنّة النون التي تتوسطهما وبذلك أشعر الكاتب أن هذه السنّات الثلاث ليست سينا .
( 1 ) انظر ص 26 من الفصل التمهيدي ، وقد نسب الداني ( المحكم ، ص 35 ) وضع الإعجام إلى ( أسلم بن خدرة ) نقلا عن هشام الكلبي ، وكأنه حدث تصحيف في الاسم في رواية الداني .
( 2 ) خميلة أرباب المراصد ، ورقة 316 أ .
( 3 ) فتح المنان المروي بمورد الظمآن ، ص 51 .
( 4 ) انظر في نفس معنى الرواية : القلقشندي ، ج 3 ، ص 155 .