تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
العربي وبعده مغزوة باللغة السريانية وبالمعارف السريانية وكانت إلى جانب ذلك آهلة بالعلماء السريان ، وميدانا لدراساتهم ومناقشاتهم وجدلهم ، لا في الناحية الدينية أو الفلسفية فقط ، ولكن في مختلف العلوم الإنسانية ومنها اللغة والنحو ، ونعلم أيضا أن اللغة العربية قد تعرضت بعد اتساع الفتوح الإسلامية إلى نفس الأزمة التي تعرضت لها اللغة السريانية في خلال القرنين الرابع والخامس بعد الميلاد : ظهور لغات أخرى في ميدان الحديث والكتابة ، وانتشار اللحن بين الناطقين ، والخوف من أن يمتد هذا اللحن إلى نصوص الكتاب المقدس ، هذه هي مظاهر الأزمة التي مرت بها اللغة السريانية في القرنين الرابع والخامس الميلادي ، واللغة العربية بعد اتساع الفتوح ، ولقد كان من نتائج هذه الأزمة عند السريان أن فكروا في وضع ضوابط لشكل كتابهم المقدس ، ولم تكن هذه الضوابط سوى طريقة النقط التي استعملها أبو الأسود الدؤلي في ضبط شكل القرآن ، من هذا نرى أن المقدمات متشابهة والظروف متشابهة والنتائج متشابهة ، وكلا العملين قد حدث في بيئة واحدة ، أليس من العناد إذن أن نقول إن أبا الأسود الدؤلي لم يستمد طريقة نقط الشكل من السريانيين الذين سبقوه بنفس العمل » ، ثم يتحدث الأستاذ عون عن اتصال أبي الأسود باللغة السريانية وعلمائها ويذهب في هذا بعيدا عن الواقع حين يقول « 1 » : « على أننا نظن بل نرجح أن أبا الأسود كان يعرف اللغة السريانية معرفة تمكنه من التفاهم بها ، وقراءة بعض نصوصها إلى حد ما ، وذلك لإقامته الطويلة في بيئة العراق ، واهتمامه الشديد بالأبحاث اللغوية والدينية أثناء إقامته في تلك البيئة ، وهي تكاد تكون بيئة سريانية في أول عهد اتصال العرب بها » . ونحن إنما أثقلنا البحث بهذا النص الطويل لنأتي على كل الأدلة التي بنى عليها الباحث نتائجه ، وإذا كانت الحقائق التاريخية تتفق مع ما وصف به الباحث أبا الأسود من تعدد جوانب شخصيته فإن ما ذكره عن بيئة العراق وأنها كانت « مغزوة باللغة السريانية والمعارف السريانية » وأنها « تكاد تكون بيئة سريانية في أول عهد اتصال العرب بها » لم يقدم عليه دليلا واحدا ، ولا أظن أن أحدا يملك اليوم مثل ذلك الدليل ، وإذا كانت المصادر تذكر أن ديانة أهل الحيرة كانت النصرانية فإن المصادر تؤكد - أيضا - أن غربي العراق وجنوبه كان يغلب عليه الطابع العربي ، وأنه كان منزلا للقبائل العربية ،
هامش
( 1 ) اللغة والنحو ، ص 251 .
رسم المصحف — صفحة 430 | غانم قدوري الحمد