فعظم الإشفاق من فشوّ ذلك وغلبته ، حتى دعاهم الحذر من ذهاب لغتهم وفساد كلامهم إلى أن سبّبوا الأسباب في تقييدها لمن ضاعت عليه وتثقيفها لمن زاغت عنه .
وقد أحسن الداني في توضيح الأسباب التي دفعت السلف إلى تكميل الكتابة وخاصة في المصاحف حين قال « 1 » : إن الذي دعا السلف ، رضي اللّه عنهم ، إلى نقط المصاحف بعد أن كانت خالية من ذلك وعارية منه وقت رسمها وحين توجيهها إلى الأمصار ما شاهدوه من أهل عصرهم ، مع قربهم من زمن الفصاحة ومشاهدة أهلها ، من فساد ألسنتهم ، واختلاف ألفاظهم ، وتغير طباعهم ، ودخول اللحن على كثير من خواص الناس وعوامهم ، وما خافوه مع مرور الأيام وتطاول الأزمان من تزيّد ذلك ، وتضاعفه فيمن يأتي بعد ممن هو - لا شك - في العلم والفصاحة والفهم والدراية دون من شاهدوه ، ممن عرض له الفساد ، ودخل عليه اللحن ، لكي يرجع إلى نقطها ويصار إلى شكلها عند دخول الشكول وعدم المعرفة ، ويتحقق بذلك إعراب الكلم ، وتدرك كيفية الألفاظ .
وكانت علامات الحركات القصيرة الثلاث قد مرت بمراحل من التطور حتى استقرت على النحو الذي نراه اليوم في المصحف ، وما يستعمله الناس في كتابتهم ، فكانت تمثل في أول الأمر بواسطة نقط مدورة بلون يخالف لون المداد ثم أبدلت بمرور الأيام بعلامات أو حروف صغيرة توضع فوق الحرف أو تحته ، وقد كان الانتقال من مرحلة النقط المدور لتمثيل الحركات إلى مرحلة الشكل المستطيل قد استغرق قرونا وتباين سرعة وبطءا تبعا لاختلاف الأمصار الإسلامية شرقا وغربا « 2 » .
هامش
( 1 ) المحكم ، ص ( 18 - 19 ) .
( 2 ) هناك مصطلحات ثلاثة أو أربعة تتردد في مجال تكميل الرسم العثماني والكتابة العربية وهي النقط والشكل والإعجام وأخيرا الضبط ، وما شارك هذه الكلمات في المادة ، أما ( النقط ) فهو من نقط الحرف ينقطه نقطا ، والاسم النقطة والجمع النقط والنقاط ، ونقّط المصاحف تنقيطا فهو نقاط ( انظر ابن منظور : ج 9 ، ص 294 ، مادة نقط ) وقد استعملت كلمة النقط في معنيين متقاربين الأول الدلالة على النقط الحمراء التي ينسب وضعها إلى أبي الأسود الدؤلي والتي تمثل الحركات القصيرة وتسمى ( نقط الأعراب ) أو ( النقط المدوّر ) تمييزا له عن المعنى الثاني للنقط وهو إعجام الحروف في سمتها بالسواد لتمييز الحروف المتشابهة في الصورة وقد عرف هذا باسم ( نقط الإعجام ) « والعجم : النّقط بالسواد ، مثل التاء عليه نقطتان ، يقال أعجمت الحرف ، والتعجيم مثله ، ولا تقل عجمت » ( الجوهري : ج 5 ، ص 1981 ) « وتقول أعجمت الكتاب إعجاما إذا نقطته ،