المبحث الأول علامات الحركات القصيرة
كان نزول القرآن الكريم بالعربية ، ودخول غير العرب في الإسلام ، وحرصهم على تلاوة القرآن وتعلم العربية ، وما حدث من انسياح المسلمين من قلب الجزيرة إلى كل جهات الأرض ، وما صاحب ذلك كله من امتزاج لغوي ومن اتساع استعمال الكتابة - قد خلق وضعا لغويا جديدا لم يكن من اليسير على الكتابة العربية أن تستجيب له وهي على حالتها القديمة من إهمال تمثيل الحركات ، فمع ازدياد حجم النصوص التي تكتب بها ضعفت السليقة التي كان يقرأ بها العربي النص المكتوب قراءة صحيحة ، كذلك فإن المسلمين من غير العرب لم يكن من اليسير عليها تجنب الخطأ فيما يقرءون من نصوص مكتوبة بها ، فكان ذلك مدعاة للتفكير بوسيلة تعين على ضبط القراءة خاصة في القرآن الكريم ومن ثم فإن قول اللغوي الفرنسي فندريس « 1 » : إن العناية التي تبذلها اللغة في تسجيل الأصوات ترجع إلى انتشار اللغة بين أقوام لم يكونوا يتكلمونها بسليقتهم ، يبدو صحيحا .
وقد أدرك علماء السلف تلك الحالة التي صارت إليها اللغة في أفواه الناطقين بها ، والكتابة التي لم تكن تقدم العون الكافي لتجنب الخطأ في القراءة ، فصور جانبا من ذلك أبو بكر الزبيدي بقوله « 2 » : ولم تزل العرب تنطق على سجيتها في صدر إسلامها وماضي جاهليتها حتى أظهر اللّه الإسلام على سائر الأديان ، فدخل الناس فيه أفواجا ، وأقبلوا إليه أرسالا ، واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة ، واللغات المختلفة ففشا الفساد في اللغة العربية ، واستبان منها في الإعراب الذي هو حليها ، والموضح لمعانيها ، فتفطن لذلك من نافر بطباعه سوء أفهام الناطقين من دخلاء الأمم بغير المتعارف من كلام العرب ،
هامش
( 1 ) اللغة ، ص 406 ، وانظر يوهان فك : ص 11 حيث يقول : « إن اتخاذ المسلمين الجدد لغة العرب لسانا لهم كان هو الدافع الأول للملاحظات النحوية » .
( 2 ) طبقات النحويين واللغويين ، ص 1 .