ومما يدل على أن هذا الصوت المجتلب للتوصل إلى نطق ما أوله ساكن إنما هو همزة - إلى جانب نص علماء السلف على ذلك ودلالة أداء القراء عليه - أن الكتابة العربية القديمة كما يمثلها الرسم العثماني وبعض النقوش قد مثلت هذا الصوت برمز الهمزة المحققة وهو ( الألف ) . وإنما تم ذلك بناء على إدراك الكتّاب في تلك الفترة المتقدمة بحسهم اللغوي - قبل أن ينظر العلماء في اللغة ويصنّفوا أصواتها - طبيعة هذا الصوت ، وتيقنهم من أنه همزة فاستعملوا لذلك رمز ( الألف ) للدلالة عليه « 1 » .
ولما كانت القاعدة العامة التي انبنت عليها الكتابة العربية في الغالب هي أن تكتب الكلمة بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها ، فمن المتوقع أن تأتي همزة الوصل ثابتة في الرسم في كل المواضع التي زيدت فيها ، لأنها لا تلفظ إلا في حالة الابتداء التي تقوم على أساسها الكتابة ، ولكن سبق أن بيّنا أن الرسم قد يجري على الوصل كما يجري على الوقف . ولما كانت همزة الوصل تسقط عند النطق بالكلام متصلا ، لأن حركة آخر الكلمة التي تسبق همزة الوصل تقوم بدور الهمزة في التوصل إلى النطق بالكلمة التي أولها ساكن ، فقد حذفت من الرسم في بعض المواضع حملا للكتابة على الوصل .
ويذكر علماء الرسم أنه لا خلاف في رسم ألف الوصل الساقطة من اللفظ في الدرج إلا خمسة مواضع فإنها حذفت منها في كل المصاحف ، والمواضع الخمسة هي « 2 » :
1 - حذفت بعد الباء في
بِسْمِ اللَّهِ *
إذا كان مضافا للفظة
اللَّهِ *
خاصة حيث وقع دون ما أضيف إلى غيره من مثل
بِاسْمِ رَبِّكَ *
وشبهه ، فالألف فيه مثبتة في الرسم بلا خلاف .
هامش
يتوصل بها إلى النطق الساكن » .
( 1 ) يشك الدكتور كمال محمد بشر ( انظر : دراسات في علم اللغة ، ق 1 ، ص 143 وما بعدها ) في أن يكون المنطوق في تلك السياقات المذكورة همزة . ويرى أن ذلك نوع من التحريك الذي يسهّل عملية النطق بالساكن ، وأن ما يسمع من همزة أحيانا من أفواه العامة وأنصاف المثقفين إنما هو تطور لذلك الصوت .
( 2 ) المهدوي : ص ( 116 - 117 ) . والداني : المقنع ، ( 29 - 30 ) ، وسليمان بن نجاح ، لوحة 3 . وابن وثيق الأندلسي : لوحة 2 . والعقيلي : لوحة 3 .