تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
على الذات في الدين ولا في الخلال ، وإنما يعود إلى أسباب المعاش ، وبحسب العمران والتعاون عليه ، لأجل دلالته على ما في النفوس . ولا ينبغي أن ننخدع بما في كلام العلامة ابن خلدون - رحمه اللّه - من الجدية والصراحة والتحليل ، فمع أنه مصيب في قوله : إن أكثر الأوجه التي سيقت في تعليل مخالفة الرسم في بعض الكلمات - المبنية على أساس اختلاف المعاني خاصة - لا أصل له إلا التحكم المحض ، ومع صدق الواقع فيما كان من بعض العلماء من مذاهب ، تنزيها للصحابة من أن ينسب إليهم الخطأ في الرسم ، فإنه غير مصيب - إطلاقا - في تصوره لحالة الكتابة العربية لأول الإسلام ، فلا يعني ضعف القدرة على إجادة كتابة الحروف والتفنن في رسمها في حواضر الحجاز - إن صح ما ذهب إليه في ذلك - أن الكتابة عندهم كانت عاجزة عن الاستجابة لمتطلبات اللغة ، أو مضطربة في تمثيل أصواتها ، فقد كانت الكتابة العربية قد عاشت تجربة طويلة من الاستعمال الواسع في أطراف الجزيرة قبل أن تدلف إلى الحجاز ، قبل الإسلام بقرن أو قرنين من الزمن « 1 » ، وإذا كانت قد عانت من وحشة البداوة في الحجاز فإن ذلك لم تجاوز صورة الحرف وأداة الكتابة . وسنجد أن الوجوه المخالفة التي أقلقت العلماء على مدى القرون يمكن أن تكون دليلا قويا على رهافة الحس اللغوي عند الصحابة الذين تولوا كتابة القرآن العظيم ، عندما حاولوا تدوين الظواهر الصوتية التي كانوا يحسونها عند التلاوة مع المحافظة على صورة الكلمات القديمة ، فجاء الرسم محافظا على صور الكلمات المعهودة وممثلا للعناصر الصوتية الجديدة - وسيأتي ذلك مفصلا في الفصل التالي إن شاء اللّه . ونحس من قراءة كلام ابن خلدون أنه كان يتصور بأن هناك نظاما للكتابة - في أول الإسلام - خاصا بأهل الصناعة من الكتاب وأهل الخط غير الذي جاء في المصحف ، وأن الصحابة - رضوان اللّه عليهم - قد قصرت هممهم عن إجادة استخدام ذلك النظام الكتابي ، فوقع نتيجة لذلك ما جاء في المصحف من وجوه عدت في الفترات اللاحقة مخالفة لقواعد أهل الصناعة ، وهو بهذا قد وقع في ما وقع فيه غيره من محاولة النظر إلى الرسم المصحفي من خلال القواعد التي وضعها علماء العربية بعد نسخ المصاحف
هامش
( 1 ) انظر ( ص 41 - 56 ) من الفصل التمهيدي .
رسم المصحف — صفحة 175 | غانم قدوري الحمد