تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
« وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها ، أو أن تكون غلطا من الكاتب ، كما ذكرت عائشة - رضي اللّه عنها - فإن كانت على مذاهب النحويين فليس هاهنا لحن ، بحمد اللّه ، وإن كانت خطأ في الكتاب فليس على اللّه ولا على رسوله صلى اللّه عليه وسلم جناية الكاتب في الخط ، ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن لرجع عليه كل خطأ وقع في كتابة المصحف من طريق التهجي ، فقد كتب في الإمام إن هذن لسحرن [ طه : 63 ] بحذف ألف التثنية ، وكذلك ألف التثنية تحذف في هجاء هذا المصحف في كل مكان ، مثل قال رجلن [ المائدة : 23 ] وآخرن يقومن مقامهما [ المائدة : 107 ] وكتبت كتاب المصحف : الصلاة والزكاة والحياة بالواو ، واتبعناهم في هذه الحروف خاصة ، على التيمن بهم ، ونحن لا نكتب القطاة والقناة والفلاة إلا بالألف ، ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه ، وكتبوا الربوا بالواو ، وكتبوا
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ المعارج : 36 ] فمال بلام مفردة . . . وهذا أكثر في المصحف من أن نستقصيه » « 1 » . وموقف ابن قتيبة هذا يفسر لنا ما نسبه إلى الصحابة - رضوان اللّه عليهم - من الجهل بالكتابة والغلط في الهجاء حين تحدث عن معرفة عبد اللّه بن عمرو بن العاص بالكتابة ، وإذن النبي صلى اللّه عليه وسلم له بأن يكتب الحديث ، يقول « 2 » : « وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان ، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي » ، ومقارنة ابن قتيبة بين كتابة الصلاة والزكاة والحياة بالواو وكتابة القطاة والقناة والفلاة بالألف ، وقوله : ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه - في اللفظ طبعا - دليل على سيطرة فكرة ( الأصل في الكتابة موافقة الخط للفظ ) على وجهة نظر ابن قتيبة ، إضافة إلى إهماله الجانب التاريخي لرسم تلك الكلمات ، وما قد تكون مرت به من ظروف الاستخدام والانتقال من بيئة إلى أخرى ، وهذه هي الغلطة الكبيرة التي وقع فيها أكثر الباحثين في الكتابة العربية عامة ورسم المصحف خاصة ، سواء في ذلك من حاول إيجاد تعليل لتلك
هامش
( 1 ) رد ابن فارس ( ص 11 ) ما ذهب إليه ابن قتيبة - في هذا الصدد - وهو يتحدث عن معرفة القدماء من الصحابة وغيرهم بالعربية ، ويستدل على ذلك بكتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء والهمز والمد والقصر - بقوله : « وما بحسن قول ابن قتيبة في أحرف ذكرها ، وقد خالف الكتاب المصحف في هذا » . ( 2 ) تأويل مختلف الحديث ، ص 366 .
رسم المصحف — صفحة 173 | غانم قدوري الحمد