حسب رغبته الشخصية ، لا أنها كانت تختلف عن المصاحف الأخرى في النص القرآني ويدل عليه رواية البخاري المتقدمة بقوله : « حتى إذا نسخوا الصحف من المصاحف رد عثمان الصحف فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما استنسخوا وأمر بما سواه من القرآن بكل صحيفة ، أو مصحف أن يحرق » فإن التأمل في مفهوم الكلمة ( نسخوا ) يوضح أن دورهم كان دور الكاتب فقط ، ومما يدل على أن اختلاف المصاحف هذه كانت في التفسير ما ورد في الرواية المذكورة من قوله : « فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة » فإن الاختلاف لم يكن في النص القرآني ، والمراد بالقراءة إنما هو التلفظ بالنص . لهذا السبب كان المسلمون يسمون القرآن الذي جمعه أبو موسى الأشعري ب ( لباب القلوب ) فإنه لا يعقل أن يسمي المسلمون القرآن بغير القرآن ، فاختيار هذه التسمية يدل بوضوح على أنه لم يكن مجرد قرآن ، بل كان قرآنا مع تفسير للآيات حسب فهم الأشعري أو روايته وهذا هو السبب في معارضة ابن مسعود قائلا : « ما أنزلت سورة إلا أعلم حيث نزلت » فإن هذا التعليل لا يناسب إلا التفسير ، وبهذا يظهر الوجه في استحسان جماعة عمل عثمان في تكثيره نسخ القرآن بقولهم : « لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرءون الشعر » [ المصاحف 13 ] ، فالاختلاف - عند هؤلاء - لم يكن في جمع القرآن بل في كتابة القرآن ونشره بين الناس كي لا يشتغلوا بغيره .
موقف الصحابة وأهل البيت
وصل ثلاثة من الصحابة إلى الحكم ، كل واحد منهم إبان حكمه حاول أن يكثر نسخ القرآن في المجتمع كمأثرة لدوره في خدمة القرآن كما يقوم أصحاب الخير في عصرنا بطبع القرآن الكريم واشاعته في المجتمع لنفس الغرض ، وكان الخليفة الثالث أكثرهم نجاحا في تحقيق ذلك من الخليفتين .
من الطبيعي أن عمل عثمان المتشدد بحرق المصاحف الأخرى كان لسبب سياسي انتج ردود فعل من قبل الصحابة بين مؤيد لعمله ومعارض ، والجدير بالذكر التأمل في تعليل هؤلاء المؤيدين والمعارضين للموقف .
روى السجستاني عن ابن قيس المازني قوله : « لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرءون الشعر » ، وكذلك أبو مجار قال : « لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرءون الشعر » ( ص 13 ) . وتنتهي روايات المعارضة إلى عبد اللّه بن مسعود الذي أظهر سخطه قائلا : « تولاها رجل واللّه لقد أسلمت وانه لفي صلب أبيه كافر ( يعني زيد بن ثابت ) » وأعلن قائلا : « يا أهل الكوفة اكتموا المصاحف التي عندكم » [ المصاحف ص 17 ] .