غير هذه التفريعات ، إلا أن هذه التفريعات لا يخلو مضمونها من نظر ثاقب وتذوق رفيع مبدع ، وتدلّ على عناية العلماء قديما بجزئيات النظم وتماسكه في القرآن الكريم .
ويمكن أن نستشهد التماسك الذي يحتاج إلى نظرة في باطن التشكيل اللغوي بقوله عز وجل :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
[ الأعراف : 200 ] ، وقوله في سورة أخرى :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
[ فصلت : 36 ] .
ويقول ابن قيم الجوزية : « إن نزع الشيطان وتصرفاته وساوس وخطرات يلقيها في القلب ، وهذا مما يتعلق به العلم لا البصر ، ولذلك جاءت الفاصلة : « إنه سميع عليم » في الآية الأولى : و « السميع العليم » في الآية الثانية » « 1 » .
ومن الجدير بالذكر أن جلال الدين السيوطي قد جمع بين قولين متضاربين في شأن الفاصلة القرآنية ، وذلك بسبب تعريفه بكل ما ورد من غير ترجيح فهو يتبع خطا ابن أبي الإصبع ، وينقل رأيه قائلا : « لا تخرج فواصل القرآن عن أحد أربعة أشياء : التمكين والتصدير والتوشح والإيغال » « 2 » .
ثم ينقل شواهده من غير إضافة مع اختصار التعليق الفني ، وبعد هذا يذكر مفصّلا ما يحصل من تقديم وتأخير وغير هذا لمراعاة الفاصلة ، وينقل رأي ابن الصائغ سالف الذكر من كتابه . . « إحكام الرأي في أحكام الآي » في ترجيح الجانب الموسيقى « 3 » ، وكأن الأصل ليس على ما جاءت عليه الفواصل القرآنية ، إنما خولفت الأصول التي يريدها ابن الصائغ
هامش
( 1 ) بدائع الفوائد ، ابن قيم الجوزية ، ص / 1 : 110 .
( 2 ) معترك الأقران ، السيوطي : 1 / 23 .
( 3 ) انظر كتابيّ السيوطي : معترك الأقران : 1 / 32 ، والإتقان : 2 / 214 .