لتطلّب فائدة ، وهذه المخلوقات التي تنجم في الأرض إذا فكّر فيها علم أن معظمها ليس إلا للأكل . . . فهذا موضع تفكّر بعث الناس عليه ، ليفضي بهم إلى المطلوب منهم ، وأما تعقيب ذكر الليل والنهار ، وما سخّر في الهواء من الأنواء بقوله « لقوم يعقلون » فلأن متدبّر ذلك أعلى رتبة من متدبّر ما تقدّم ، إذ كانت المنافع المجملة فيها أخفى وأغمض . . وأما الآية « لقوم يذّكّرون » ، فلأنه لما نبّه في الأوّليين على إثبات الصانع ، نبّه في الثالثة على أنه لا شبه له مما صنع » « 1 » .
وهكذا دلّ على تماسك كلمات القرآن الكريم من خلال التشابه اللفظي ، فثمة مغايرة جزئية تحقق طبيعة الموقف ، وهكذا فالفاصلة رابطة للآية قبلها ، بل دلّ هذا الكتاب على ارتباط الفاصلة الأخيرة « يذكّرون » بقضية تنزيه الخالق كما ورد في أول السورة :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ النحل : 1 ] .
ونظير هذا الآية الكريمة :
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
[ الأنعام : 97 ] والآية الكريمة التالية :
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
[ الأنعام : 98 ] ، والفاصلتان من حقل دلالي واحد لصلتهما بالعمليات الذهنية .
ولكن دقة النظر عند الزمخشري تجعله يبيّن مناسبة كل كلمة لسياقها من باب متابعة جزئيات النظم ، فهو يقول : « فإن قلت : لم قيل : « يعلمون » مع ذكر النجوم ، و « يفقهون » مع ذكر إنشاء بني آدم ؟ قلت : كان إنشاء الإنس من نفس واحدة ، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدقّ صنعة وتدبيرا ، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له » « 2 » .
هامش
( 1 ) درة التنزيل وغرة التأويل ، ص / 258 - 259 .
( 2 ) الكشاف : 2 / 39 ، وراجع إرشاد العقل السليم : 3 / 166 .