فهو يثبت أن التقديم كان لأهمية ما يوقن به المؤمن في الدرجة الأولى ، ويأتي بعد ذاك ترنيم الواو والنون في الدرجة الثانية .
ولم يمل المعاصرون في الدرس البياني للقرآن الكريم إلى جانب سيطرة الشكل على المضمون ، بل يسعون بجهد إلى إثبات العكس ، فهم يعترفون برنة الفاصلة القرآنية من حيث هي قرار موح ، وترجيع رائع ، ولكن هذا مرتبط أشدّ الارتباط بالمعنى ، على اختلاف مناهجهم بين دارس أدبي ومفسر ، فكل منهما يتوصل إلى حقائق تناسب ثقافته ، مؤكدين إعجاز تمكن الفاصلة القرآنية .
على سبيل المثال يقول الدكتور أحمد بدوي وهو من الأدباء : « فإنك لتجد أن الفاصلة القرآنية كالقافية الشعرية ، وتزيد الفاصلة على نظيرتها بشحنة المعنى ، ووفرة النّغم ، والسعة في الحركة » « 1 » .
وقد اختصت الدكتور عائشة عبد الرحمن من العلماء الفراء ، وحاولت جاهدة الردّ على مقولته بعلة السجع في فواصل القرآن الكريم ، وكان اختيارها لتفسير قصار السور مناسبا للرد ، لأن الفراء كان قد فسّر مقولته بشواهد من السور القصار .
والمعيار الذي تتكئ عليه الدكتورة عائشة هو الاستخدام الصحيح للغة ، إلى جانب الأسلوب الخاص للبيان القرآني من خلال اطّراد صيغ ما ، فلا يوجد عندها إسقاط نفسي موارب يدعونا إلى الأخذ به أو إلى رفضه ، بل اللغة الصحيحة التي تعلّمنا الفروق الدقيقة هي المحتكم ، وفي كل وقفة لها نقع على احتراز من توهم المراعاة الشكلية للفواصل القرآنية .
ونقرأ قولها في الآية الكريمة :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
[ العلق : 3 ] : « لم يعدل فيها عن الكريم إلى الأكرم لمجرد رعاية الفاصلة ، ولا قصد بها المفاضلة
هامش
( 1 ) من بلاغة القرآن ، ص / 89 .