هذه الشدة في الخصومة يرافقها انفعال شديد ، يحول دون إتمام الحروف في لحظة الغضب ، فكأن « يخصمون » حكت حالهم فيما استخدموا من كلمات مبتورة الحروف أو مدغومة « 1 » .
والسبب الثاني أن الصيحة داهمتهم وهم يختصمون فأرتج عليهم ، فأخذت حروف ألفاظهم تضطرب من غير سبب صوتي يسوغ الإدغام ، فكان الإدغام يحكي إشارة ولمحا « 2 » ما صاروا إليه من اضطراب في الأصوات ، سواء في الانفعال الشديد أو الارتاح عليهم الذي يزيد في الانفعال انفعالا قاد إلى الاضطراب التام وإلى عدم استيفاء الحجج .
ويلتقي السبب الثاني بما ذهب إليه البقاعي ( - 885 ه ) إذ يقول : « ولم يقرأ أحد « يخصمون » بالإظهار إشارة إلى أنه لا يقع في ذلك الوقت خصومة كاملة حتى تكون ظاهرة ، بل تهلكهم قبل استيفاء الحجج وإظهار الدلائل » « 3 » .
ونرى الزمخشري يستشف طبيعة الحدث المتحرك بطبيعته المرئية في الصيغة ، وكأنه يميل إلى القول بالمحاكاة من غير أن يميل إلى الوهم فيما يبدو لنا ، إنه ملحوظة دقيقة بين الاسمية والفعلية ، وذلك كما جاء في تفسيره للآية الكريمة :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ
[ الملك : 19 ] .
يقول : « فإن قلت : لم قيل : « ويقبضن » ولم يقل : قابضات ، قلت :
لأن الأصل في الطيران هو صفّ الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء
هامش
( 1 ) انظر الأشباه والنظائر ، للسيوطي : 2 / 139 .
( 2 ) قد ذكرنا هذه المحاكاة في فصل الجمال السمعي في الأنوماتوبيا والحركات والمدود ، ويمكن أن تنظر القضية في نظرية الأدب ، ص / 165 .
( 3 ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ، البقاعي : 16 / 140 .