فهي تصوّر الهبوط القويّ الذي يفسّر معنى الطمّ والصخّ وغير هذا .
وإذا كانت هذه الصيغة غير مستساغة في فنّ الشعر ، فإنّ لها دوافع فنية في إيقاع القرآن ، لذلك يستبعد هنا عن جادّة الصواب رأي عبد الصبور شاهين الذي ينقل رأي « فليش » في استهجان هذه الصيغة في الشعر ، وهو يرى السبب في قوله : « يحدث مقطع مديد غير مرض في الشعر ، لتنافيه مع الإيقاع البسيط الطبيعي للغة » « 1 » .
وهذا لا ينبو إلا مع طبيعة إيقاع الشعر ، الذي يعتمد الأوتاد المنتهية بسكون واحد ، فمثل هذه الصيغة تخلّ بالوزن العروضي ، وغالبا ما يرد هذا في البيان القرآني في مواقف الشّدة والتّهديد ، والتّقريع العنيف .
فكلمة « تشاقّون » ترد في موقف دحض حجّة المشركين الواهية ، إذ يقول تبارك وتعالى :
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ
[ النحل : 27 ] ، ويقول تعالى عن المنافقين :
وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى
[ محمد : 32 ] ، ويقول عزّ وجلّ في سورة الشورى :
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ
[ الشورى : 16 ] ، وغيرها .
فالوقوف على القاف الحرف الشديد المشدّد بعد المد يوحي إلى عنف هؤلاء المشركين وقسوة قلوبهم وجمود فكرهم ، والحركة الذهنية الجامدة في عقولهم ، أما كلمة « شاقّوا » فتأخذنا بتركيبها الصوتي هذا إلى تصوّر لحظات العنف الذي تلقّاه النبي عليه الصلاة والسلام ، وكأنها توحي إلى ملامسة نفسه وجسده الشريفين ، وكذلك الوقوف على الجيم الحرف الشديد المشدّد في « يحاجّون » ، وكأنه ينقلنا إلى جمود العقل وصدّ ما يأتيهم من بينات إلهية .
هامش
( 1 ) القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث ، د . عبد الصبور شاهين ، ص / 58 .