إلى أن القرآن الكريم يذكر السّمع ، ولا يذكر الأسماع ، ويذكر الأرض ولا يذكر الأرضين .
فليس كل جمع مستحبّا ، فأراد صاحب الطراز أن يرصد لهذه الظاهرة الفنية مفردات قرآنية أخرى ، ولكنّه لم يضف كثيرا إلى ما جاء به تلميح سابقه ، وإذا كنّا نكتفي بالتلميح هناك ففي « الطّراز » المتخصص بأجزائه الثلاثة بالبلاغة القرآنية لا نقبل بالذوق الذي بني عليه حكم الجاحظ الغامض .
وكذلك لم يقف على ظاهرة الجمع والإفراد سوى العلوي والرافعي ، وهذا يؤكّد قلّة البحث الموسيقى في بنية المفردات ، على الرّغم من كثرة الاهتمام بالمحسّنات اللفظية التي لها شأن كبيرة بالنّغم ، فلم يذكر أحد هذه الخاصية بعد العلوي إلّا الرافعي ، وفي الوقت نفسه نجد شاهد تشبيه أعمال الكفار بالسّراب في قوله تعالى :
أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
[ النور : 39 ] في كل كتب الإعجاز والبلاغة ، وكذلك ما يتّصل بالإيجاز وغيره ، والسبب - كما قلنا سابقا - أن الموسيقا الداخلية كانت عسيرة على الفهم والشرح وتحتاج إلى إمكانات خاصة وثقافة موسيقية وحاجة ماسّة .
وهذا التقصير لا ينحصر فيما جاء من التراث الأدبي ، فإهمال التشكيل الصوتي وراد في كتب المعاصرين أيضا إلا ما كان من الرافعي بشكله المنهجي ، وسيد قطب بشكله غير المنهجي لأنه ظل فرديا لا يبين المعيار الفني ، فما لمسوه يعدّ يسيرا بالنسبة لاهتمامهم بالصورة البصرية والإيحاءات .
وهذه المادة اليسيرة تسير وفق منهجين :
الأول : منهج إجمالي ، فيه التلميح المبهم يطغى من خلال أسلوب الدارسين الخلّاب ، واهتمامهم بالعبارات العامة شأن الباقلاني ، وهؤلاء