يكن لهما في صدور العامة والخاصة من القبح والتشويه ونذالة النفس ، ما لم يجعله لشيء غيرهما من الحيوان لما خصّهما اللّه بذلك » « 1 » .
فالقرد قبيح في شكله ومسلكه ، ويزداد قبحا في النفوس أنه يشبه الإنسان مما يزيد في التنفير منه ، وكذلك الخنزير الذي دلت المشاهدات على قبح مسلكه ونتنه وضرره للجسم فضلا عن كونه محرم الأكل .
فالقصد من وجود هذه الحيوانات في الصورة الفنية تبين تدنّي مستوى الكافرين وشناعة تصرفاتهم ، وبعدهم عن الصفات الآدمية العالية ، فاقتران الإنسان بالحيوان قاصر على الكفرة ، فلم يشبه الإنسان الخير بالحيوان ولو كان على سبيل المديح كما نجد في الشعر تشبيه المرأة الحبيبة بالغزال وبقر الوحش ، إذ ترتفع البيان القرآني واحترز من التشبيه بالطبع الغريزي للحيوان .
ويمكن أن نبدأ بقوله عز وجل في كفار قريش :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ البقرة :
171 ] ، وفي هذا النص حذف المشبه به وهو الحيوان من غنم وبقر وحمير وثمة تفرّغ للمشبه وهم الكفرة ، وذلك لإتمام جمال الصورة ، وإبعاد البعثة المحمدية وتنزيهها عن نطاق الحيوانية ، وفي النص صورة صوتية ، فالكفار يصاح بهم ، والغنم يصيحون ، الراعي يصيح ولكن يسمع صوته من غير فهم ، فالدعوة الإسلامية ترفّع ، والإحجام عنها سقوط في المستوى الحيواني ، هذا يعني أن الإسلام حضارة وأن المشركين الحاضرين زمن البعثة هم المشركون في كل زمان .
يقول الإمام القرطبي ( - 671 ه ) « شبّه واعظ الكفار وداعيهم وهو
هامش
( 1 ) الحيوان : 4 / 39 ، ويؤكد ابن أبي الإصبع هذا الرأي في إعجاز خلق الذباب ، انظر : تحرير التحبير ، ص / 474 .