الإيغال في الحسية من خلال الانتقال من اللمس إلى الذوق ، ويبدو أن العدول إلى الإذاقة في الآية يدل على انشغال هذا الجاحد بالمشتهيات في الدنيا وتسفّل تصرفاته وحيوانية سلوكه المعوجّ .
ويلحظ أيضا أن العقاب جاء مشابها في وسيلته للنعمة المجحودة ، فالعذاب يذاق وكأنه طعام يدخل الفم ، وهذا يناسب الطبع الحيواني ، وهاهنا فعل قسري لأنهم يأكلون مجبرين كما نصنع أحيانا مع الحيوانات ، ولكن المطعوم كبير الحجم ، وهذا يزيده حسية ورعبا إذ قال :
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
.
ومن مظاهر التجلي الحسي الزائد قوله عز وجل :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
[ طه : 44 ] منبها موسى عليه السلام وأخاه إلى وسيلة الخطاب مع فرعون ، ولكن القول حسي ما دام يتصل بالصوت وأعضاء النطق ، أما اللين فيجلّي القول قطعة ملساء ترقّ على الجسم وتطيب المشاعر ، كل هذا في مجابهة العنفوان الشديد والخشونة ، كما نجد في الكلمة حركة بطيئة ، حيث لا نتصور اللين سريعا ، فهي عبارات ذات نفس طويل منهما .
وهذه المفردة تشي بمعالم تهذيبية ، تختزن الرقة وأطرافها في الحديث ووسائل الملاطفة ، وهذا دعوة قرآنية سامية إلى أسلوب الخطاب ، ولو كان مع العدو المجاهر ، مستبعدة ما يخطر بالبال من ألفاظ شنيعة ، وهذا ما تبدّى في الداعية الأول إلى الإسلام عليه الصلاة والسلام .
وكذلك يعبر عن العذاب بالغاشية ، كما في قوله عز وجل :
أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ
[ يوسف : 107 ] وذكر المفسرون أن الغاشية هي الصواعق أو ما يغطي من العذاب ، ولكن اللافت للنظر تنكير غاشية حتى يزداد حجم تهويلها وهزّها للقلوب ، وبما أن الغاشي يغطي ، فإن