الظاء اللثوي يفيد في زيادة الحسية ، وكأن العذاب كتلة لاصقة بالجسم ، كما يكون لصوق اللسان بأطراف الأسنان .
كذلك اجتماع الإذاقة بالعذاب ، حتى يبدو للنظرة السريعة أن العذاب روحي ، ولكن الصحيح أن الإذاقة مبالغة زائدة في إبراز حسيته ، قال تعالى :
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ
[ السجدة :
21 ] ، وكذلك الآية التي يتداولها علماء البلاغة في كتبهم :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[ النحل : 112 ] .
وفي الآية الأولى استعارة محسوس لمحسوس ، يقول أبو هلال العسكري متفردا بنظرة عميقة : « حقيقته لنعذبنهم ، والاستعارة أبلغ ، لأن حس الذائق أقوى لإدراك ما يذوقه ، وللذوق فضل على غيره من الحواس ، ألا ترى أن الإنسان إذا رأى شيئا لم يعرفه شمّه ، فإن عرفه ، وإلا فذاقه لما يعلم أن للذوق فضلا في تبين الأشياء » « 1 » .
وقد تنبه العسكري إلى السمة الانزياحية لسياق الإذاقة هنا ، ولكن هذا لا يعني التجسيم لأن العذاب أيضا حسي ، هذا بخلاف قوله عز وجل :
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ
[ يونس : 21 ] ، لأن الرحمة أمر ذهني ، وإن كانت له تجلياته الحسية .
كما استخدمت الإذاقة على سبيل الحقيقة كما في قوله تعالى في الحديث عن آدم عليه السلام وزوجته :
فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما
[ الأعراف : 22 ] ، وقد ورد فعل الذوق في القرآن الكريم ثلاثا وستين مرة معظمها في مجال الوعيد ، ولم يذكر إلا في نطاق الاستعارة عدا الشاهد السابق .
كذلك لم يذكر الذوق في بسط جمال الجنة والتلذذ بمباهجها وشرابها
هامش
( 1 ) الصناعتين ، ص 275 .