لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ( 4 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ( 5 ) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ
[ الهمزة :
4 - 6 ] ، وقد ذكر القرطبي في تفسيره ناقلا عن بعض المأثور أن الحطمة الدرك الثانية من النار ، أو هي اسم لجهنم عموما ، وذكر أنها سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه وتهشمه ، واستشهد بقول الراجز :
إنا حطمنا بالقضيب مصعبا * يوم كسرنا أنفه ليغضبا
« 1 » ولكن القضيب كائن كثيف يمكن أن يحطم وهذا مشاهد ، ولكن النار غير كثيفة ومع هذا فإنها تحطم ، ولذلك لم يوفق بهذا الاستشهاد الذي يقلل من إبراز الصبغة الجمالية لسياق القرآن ، فالنار صارت كائنا كثيفا يكسر ويحطم ، وهذا شيء غير موجود في العالم الدنيوي ، ذلك أن جهنم جزء من عالم الغيب الذي يختلف عن عالمنا بالماهية والمقياسات والمقادير والفاعلية ، واللافت للنظر هذه الصيغة الغريبة « الحطمة » مما لا نجد له استعمالا ، وهذا يشير إلى غرابة طبع هذه النار أعاذنا اللّه منها .
ولا بد أن نختم الفقرة بحسية كلمات لا تبدو فاعليتها للوهلة الأولى ، وذلك لتذكّر المرادف الواضح الذهنية ، من هذا كلمة « أكبر » من قوله عز وجل :
* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
[ البقرة : 219 ] .
قد يتصور المتلقّي أن كلمة أعظم هي المقصودة ، ولكن يبدو من سياق الآية أنها صرفت النظر عن الذهنية إلى الحسية مع ما في العظم من الحسية ، بيد أن « أكبر » أوضح للباصرة وأكثر استحصارا للمنافع المالية التي تتراكم في الخزائن والجيوب من تجارة الخمر ، وكذلك قال :
إِثْمٌ كَبِيرٌ
، ليجعل المتلقي أمام مساحة للإثم أكبر من حجم المال
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن : 30 / 166 .