نظر في هذه الآية وغيرها ، فقد سماه تصوير ما في النفس ، يقول : « ومما يصوّر لك الكلام الواقع في الصفة تصوير ما في النفس ، وتشكيل ما في القلب ، حتى تعلمه كأنك مشاهده ، وإن كان يقع بالإشارة ، ويحصل بالدلالة والأمارة قوله تعالى :
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
[ الأعراف : 126 ] وقوله تعالى :
قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
[ الشعراء : 50 ] « 1 » .
ولا شك أن الباقلاني يقصد الإضاءة الفنية التي تنبع من حسية الكلمتين : أفرغ ومنقلبون ، وهكذا تجسم كلمة « منقلبون » في قوة حركتها سرعة الانقلاب الفكري ، واتجاه السحرة إلى الخالق اتجاها كاملا يعبّر عنه بالانقلاب الذي تنتفي منه الذبذبة ، كما أن صوتيات الكلمة قريبة من صوتيات القلب ، فهذا يشي بأن الانقلاب كان من جذورهم النفسية وهو مستمر كما توحي الصيغة الاسمية في اسم الفاعل « منقلبون » .
والكلمة الثانية « أفرغ » تناسب الهدوء في حركة الإفراغ ، إذ يعني تطلب الصبر شيئا بعد شيء تبعا لاستمرار المحنة مع فرعون وتهديداته ووعيده ، ولا تكون هذه الحركة الهادئة في الصب الذي يتسم بالسرعة والقوة فالنفوس مع الإفراغ انقلبت إلى أوعية فارغة ظامئة إلى الصبر المسكوب برويّة .
ومن التجسيم الذي يقدم حركة عنيفة ، الآية الكريمة في وصف اليهود :
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
[ البقرة : 61 ] ، وقد انتبه الشريف الرضي إلى تصوير الحركة ، وحركة أخرى في آية غيرها في وصف اليهود :
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
[ الأحزاب : 26 ] ، قال : « هذه استعارة ، والمراد بها صفة لشمول الذلة ، وإحاطة المسكنة بهم كالخباء المضروب على أهله » « 2 » .
هامش
( 1 ) إعجاز القرآن ، الباقلاني ، ص 244 .
( 2 ) تلخيص البيان في مجازات القرآن ، الشريف الرضي ، ص 115 .