الظلمات الثابتة المستقرة التي ليس فيها بصيص من نور ، وليس فيها تقلّب ولا تذبذب ، إن المثل الأول يصوّر حال المنافقين في بواطنهم ، وهو الأمر الذي يشاركون فيه سائر الكفار ، والمثل الثاني يصوّر حالهم في ظواهرهم ، وهو الأمر الذي يتقلّب عندهم بتقلّب الداعي ، لأن تقلبهم إنما هو في الظاهر لا الباطن » « 1 » .
والحق أن الختم على القلوب يوحي بالقوة وثبات الفكرة في أعماق المنافق ، ويوحي بمعرفة الخالق لما تنطوي عليه القلوب من إصرار على الكفر كما يعرف الخاتم ما يختم ، كذلك يصور حرف الجر « على » السيطرة والهيمنة على هذه القلوب ، فهي قوة ضاغطة ، أما المرض فأعراضه تفيد التقلّب .
وكذلك يغدو المرض المستعار للتصوير السكوني مروعا ، لأنه يقيم في القلب موطن الحياة ، والخفقان ، وربما أوحى بالتقزز ، خصوصا أنه داخلي لا مجال لنبذه ، أما الختم فيحدد صورة خانقة تومئ إلى الحبس وقصر النظر ، كما أن الإحاطة من كل جانب مربكة نفسيا وعضليا .
ونقف عند قوله تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
[ محمد : 24 ] إن كلمة أقفال صيغة جمع ، مما يجعلنا نتصور أعدادا كبيرة ، فالصورة بعيدة تناسب اشمئزازنا من الكفرة ، والأقفال حديدية أصبحت تنسجم مع القلوب الحديدية بكفرها ، كما أنها مستمدة من الطبيعة الصناعية ، وفي هذا ملمح إلى انحطاط الكافر ، والقفل هنا ثبات وإحكام ، بل هو تثبيت خانق لهذه القلوب ، فلا تدخل إيمانا ولا تخرج كفرا كما هي حال الختم .
وفي قوله عز وجل عن بني إسرائيل :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ
هامش
( 1 ) النبأ العظيم . د . محمد عبد اللّه دراز ، ص 164 .