كانوا لا يدركون فائدته ، كذلك شأن اللّه مع خلقه فيما خفى عليهم من أسرار تشريعه ، وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ التلاوة دون الحكم :
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 1 » .
قال الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه اللّه « 2 » :
ما نسخ تلاوته دون حكمه وقد أورد بعضهم فيه سؤالا وهو : ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم ؟ وهلا بقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها ؟
وأجاب صاحب الفنون « 3 » : بأن ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال « 4 » لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شئ كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام ، والمنام أدنى طريق الوحي . اه .
( ج ) نسخ الحكم فقط دون التلاوة :
والحق أن هذا النوع من النسخ هو الذي ألفت فيه الكتب الكثيرة واختلف فيه العلماء ما بين مجيز له ومانع ، ومكثر له ومقل . وقد رأى المجيزون لهذا الضرب أن هناك حكما وراء هذا النوع منها « 5 » :
1 - أن القرآن الكريم كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به ، يتلى لكونه كلام اللّه تعالى فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة .
2 - أن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة .
هامش
( 1 ) سورة الروم الآية : 27 .
( 2 ) الإتقان 3 / 81 .
( 3 ) هو كتاب فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن لابن الجوزي ومنه نسخة غير كاملة في المكتبة التيمورية .
( 4 ) الاستفصال هو طلب البيان - لسان العرب 4 / 3424 - .
( 5 ) البرهان في علوم القرآن 2 / 39 .