ومن عضرفوط حطّ بي فأقمته * يبادر وردا من عظاء قوارب [ 1 ]
وشرّ مطايا الجنّ أرنب خلّة * وذئب الغضا أوق على كلّ صاحب [ 2 ]
ولم أر فيها مثل قنفذ برقة * يقود قطارا من عظام العناكب
وقد فسّرنا قولهم في الأرانب ، لم لا تركب ، وفي أرنب الخلّة ، وقنفذ البرقة .
وحدثني أبو نواس قال : بكرت إلى المربد ، ومعي ألواحي أطلب أعرابيّا فصيحا ، فإذا في ظلّ دار جعفر أعرابيّ لم أسمع بشيطان أقبح منه وجها ، ولا بإنسان أحسن منه عقلا . وذلك في يوم لم أر كبرده بردا ، فقلت له : هلّا قعدت في الشمس ! فقال : الخلوة أحبّ إليّ ! فقلت له مازحا : أرأيت القنفذ إذا امتطاه الجنيّ وعلا به في الهواء ، هل القنفذ يحمل الجنّيّ أم الجنّيّ يحمل القنفذ ؟ قال : هذا من أكاذيب الأعراب ، وقد قلت في ذلك شعرا . قلت فأنشدنيه . فأنشدني بعد أن كان قال لي :
قلت هذا الشعر وقد رأيت ليلة قنفذا ويربوعا يلتمسان بعض الرّزق : [ من الطويل ]
فما يعجب الجنّان منك عدمتهم * وفي الأسد أفراس لهم ونجائب
أتسرج يربوع وتلجم قنفذا * لقد أعوزتهم ما علمت المراكب
فإن كانت الجنّان جنّت فبالحري * ولا ذنب للأقدار واللّه غالب
وما الناس إلا خادع ومخدّع * وصاحب إسهاب وآخر كاذب
قال : فقلت له : قد كان ينبغي أن يكون البيت الثالث والرابع بيت آخر . قال :
كانت واللّه أربعين بيتا ، ولكنّ الحطمة [ 3 ] واللّه حطمتها . قال : فقلت : فهل قلت في هذا الباب غير هذا ؟ قال : نعم ، شيء قلته لزوجتي ، وهو واللّه عندها أصدق شيء قلته لها : [ من الطويل ]
أراه سميعا للسّرار كقنفذ * لقد ضاع سرّ اللّه يا أمّ معبد [ 4 ]
قال : فلم أصبر أن ضحكت . فغضب وذهب .
هامش
[ 1 ] العضرفوط : ضرب من العظاء ، والعظاء جمع عظاية ؛ وهي دويبة على خلق سام أبرص . الورد : ما ورد من جماعة الطير والإبل . القوارب : جمع قارب ، وهو طالب الماء ليلا .
[ 2 ] الخلة : ما فيه حلاوة من المرعى . الأوق : الثقل والشؤم .
[ 3 ] الحطمة : السنة الجدب .
[ 4 ] السرار : المسارة بالحديث .