وأن الحرّ والبرد ، واللون والطعم والصوت والرائحة ، إنما هي نتائج على قدر امتزاجهما [ 1 ] .
فقيل لهم : وجدنا الحبر إذا اختلط باللبن صار جسما أغبر ، وإذا خلطت الصّبر [ 2 ] بالعسل صار جسما مرّ الطعم على حساب ما زدنا . وكذلك نجد جميع المركبات . فما لنا إذا مزجنا بين شيئين من ذوات المناظر ، خرجنا إلى ذوات الملامس ، وإلى ذوات المذاقة والمشمّة ؟ ! وهذا نفسه داخل على من زعم أن الأشياء كلها تولدت من تلك الأشياء الأربعة [ 3 ] ، التي هي نصيب حاسة واحدة [ 4 ] .
1280 - [ نقد النظام لبعض مذاهب الفلاسفة ]
وقال أبو إسحاق : إن زعم قوم أن هاهنا جنسا هو روح ، وهو ركن خامس - لم نخالفهم .
وإن زعموا أن الأشياء يحدث لها جنس إذا امتزجت بضرب من المزاج ، فكيف صار المزاج يحدث لها جنسا وكلّ واحد منه إذا انفرد لم يكن ذا جنس ، وكان مفسدا للجسم ، وإن فصل عنها أفسد جنسها ؟ ! وهل حكم قليل ذلك إلا كحكم كثيره ؟ ولم لا يجوز أن يجمع بين ضياء وضياء فيحدث لهما منع الإدراك ؟ ! .
فإن اعتلّ القوم بالزاج [ 5 ] والعفص [ 6 ] والماء ، وقالوا : قد نجد كلّ واحد من هذه الثلاثة ليس بأسود ، وإذا اختلطت صارت جسما واحدا أشدّ سوادا من الليل ، ومن السّبج [ 7 ] ، ومن الغراب - قال أبو إسحاق : بيني وبينكم في ذلك فرق . أنا أزعم أن السواد قد يكون كامنا ويكون ممنوع المنظرة ، فإذا زال مانعه ظهر ، كما أقول في
هامش
[ 1 ] أي الضياء والظلام .
[ 2 ] الصّبر : عصارة شجر مر ، ونبات الصّبر كنبات السوسن الأخضر ، غير أن ورق الصبر أطول وأعرض وأثخن كثيرا ، وهو كثير الماء جدا .
[ 3 ] المراد بالأشياء الأربعة : الأرض والهواء ، والماء ، والنار ، أو : الحر والبرد ؛ واليبس والبلة ، انظر الفقرة ( 1278 ) ، ص 21 .
[ 4 ] هي حاسة اللمس ، انظر الفقرة ( 1278 ) السطر السادس فيها .
[ 5 ] الزاج : يقال له : الشب اليماني ، وهو من الأدوية ، وهو من أخلاط الحبر ، فارسي معرب .
[ 6 ] العفص : شجر وثمر معروف بهذا الاسم ، يتخذ منه الحبر .
[ 7 ] السبح : الخرز الأسود .