تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
وكان يقول : من الدليل على أن النار كامنة في الحطب ، أن الحطب يحرق بمقدار من الإحراق ، ويمنع الحطب أن يخرج جميع ما فيه من النيران ، فيجعل فحما ، فمتى أحببت أن تستخرج الباقي من النار استخرجته ، فترى النار عند ذلك يكون لها لهب دون الضرام . فمتى أخرجت تلك النار الباقية ، ثم أوقدت عليها ألف عام لم تستوقد . وتأويل : « لم تستوقد » إنما هو ظهور النار التي كانت فيه . فإذا لم يكن فيه شيء فكيف يستوقد ؟ . وكان يكثر التعجّب من ناس كانوا ينافسون في الرّئاسة ، إذا رآهم يجهلون جهل صغار العلماء ، وقد ارتفعوا في أنفسهم إلى مرتبة كبار العلماء . وذلك أن بعضهم كان يأخذ العود فينقيه [ 1 ] فيقول : أين تلك النار الكامنة ؟ ! ما لي لا أراها ، وقد ميّزت العود قشرا بعد قشر ؟ ! .

1281 - [ استخراج الأشياء الكامنة ]

فكان يقول في الأشياء الكامنة : إن لكل نوع منها نوعا من الاستخراج ، وضربا من العلاج . فالعيدان تخرج نيرانها بالاحتكاك ، واللبن يخرج زبده بالمخض ، وجبنه يجمع بإنفحّة [ 2 ] ، وبضروب من علاجه . ولو أن إنسانا أراد أن يخرج القطران من الصّنوبر ، والزّفت من الأرز [ 3 ] ؛ لم يكن يخرج له بأن يقطع العود ويدقّه ويقشره ، بل يوقد له نارا بقربه ، فإذا أصابه الحرّ عرق وسال ، في ضروب من العلاج . ولو أن إنسانا مزج بين الفضة والذهب ، وسبكهما سبيكة واحدة ، ثم أراد أن يعزل أحدهما من صاحبه لم يمكنه ذلك بالفرض [ 4 ] والدّق . وسبيل التفريق بينهما قريبة سهلة عند الصّاغة ، وأرباب الحملانات [ 5 ] .

1282 - [ رد النظام على أرسطاطاليس ]

وزعم أبو إسحاق أن أرسطاطاليس كان يزعم أن الماء الممازج للأرض لم
هامش
[ 1 ] ينقيه : يستخرج نقيّه ، وأصل النقي : مخ العظام . [ 2 ] الإنفحة : شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع ، أصفر ، يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ . [ 3 ] الزفت : ما يسيل من شجر الصنوبر ، والأرز : شجر الصنوبر . [ 4 ] الفرض : القطع والحز . [ 5 ] ورد في القاموس المحيط : « وفي اصطلاح الصاغة ما يحمل على الدراهم من الغش » .