تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
فزعم كما ترى أنّ الصّخور كانت ليّنة ، وأنّ الأشجار : الطلح والسّيال كانت خضيدا لا شوك عليها . وزعم بعض المفسّرين وأصحاب الأخبار ، أنّ الشّوك إنما اعتراها في صبيحة اليوم الذي زعمت النّصارى فيه أنّ المسيح ابن اللّه . وكان مقاتل يقول - حدّثنا بذلك عنه أبو عقيل السّواق ، وكما أحد رواته والحاملين عنه - إنّ الصّخور كانت ليّنة ، وإنّ قدم إبراهيم عليه السلام أثرت في تلك الصخرة ، كتأثير أقدام الناس في ذلك الزّمان . إلّا أنّ اللّه تعالى توفّى تلك الآثار ، وعفّى عليها ، ومسحها ومحاها ، وترك أثر مقام إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم . والحجّة إنما هي في إفراده بذلك ومحو ما سواه من آثار أقدام الناس . ليس أنّ إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم كان وطئ على صخرة خلقاء يابسة فأثّر فيها .

1108 - [ فضل المتكلمين والمعتزلة ]

وأنا أقول على تثبيت ذلك بالحجة . ونعوذ باللّه من الهذر والتكلف وانتحال ما لا أقوم به . أقول : إنّه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ من جميع الأمم ، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوامّ من جميع النّحل . فإن لم أقل ، ولولا أصحاب إبراهيم وإبراهيم لهلكت العوامّ من المعتزلة ، فإني أقول : إنه قد أنهج لهم سبلا ، وفتق لهم أمورا ، واختصر لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة ، وشملتهم بها النعمة .

1109 - [ ما يحتاج إليه الناس ]

وأنا أزعم أن الناس يحتاجون بديّا إلى طبيعة ثم إلى معرفة ، ثم إلى إنصاف . وأوّل ما ينبغي أن يبتدئ به صاحب الإنصاف أمره ألّا يعطى نفسه فوق حقها ، وألّا يضعها دون مكانها ، وأن يتحفظ من شيئين ؛ فإن نجاته لا تتمّ إلّا بالتحفظ منهما : أحدهما تهمة الإلف ، والآخر تهمة السّابق إلى القلب - واللّه الموفق .

1110 - [ معاناة الجاحظ في تأليف هذا الكتاب ]

وما أكثر ما يعرض في وقت إكبابي على هذا الكتاب ، وإطالتي الكلام ، وإطنابي في القول ، بيت ابن هرمة ، حيث يقول [ 1 ] : [ من البسيط ]
إنّ الحديث تغر القوم خلوته * حتى يلجّ بهم عيّ وإكثار
هامش
[ 1 ] ديوان ابن هرمة 124 .