تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
ومثل ذلك أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم لمّا بشره اللّه بالظّفر وتمام الأمر [ 1 ] بشرّ أصحابه بالنّصر ، ونزول الملائكة . ولو كانوا لذلك ذاكرين في كلّ حال ، لم يكن عليهم من المحاربة مئونة . وإذا لم يتكلفوا المئونة لم يؤجروا . ولكنّ اللّه تعالى بنظره إليهم رفع ذلك في كثير من الحالات عن أوهامهم ؛ ليحتملوا مشقّة القتال ، وهم لا يعلمون : أيغلبون أم يغلبون ؛ أو يقتلون أم يقتلون . ومثل ذلك ما رفع من أوهام العرب ، وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن ، بعد أن تحدّاهم الرّسول بنظمه . ولذلك لم نجد أحدا طمع فيه . ولو طمع فيه لتكلفه ، ولو تكلف بعضهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصّة على الأعراب وأشباه الأعراب ، والنّساء وأشباه النساء ، ولألقى ذلك للمسلمين عملا ، ولطلبوا المحاكمة والتراضي ببعض العرب ، ولكثر القيل والقال . فقد رأيت أصحاب مسيلمة ، وأصحاب ابن النواحة إنما تعلّقوا بما ألّف لهم مسيلمة من ذلك الكلام ، الذي يعلم كلّ من سمعه أنّه إنّما عدا على القرآن فسلبه ، وأخذ بعضه ، وتعاطى أن يقارنه . فكان للّه ذلك التّدبير ، الذي لا يبلغه العباد ولو اجتمعوا له . فإن كان الدّهريّ يريد من أصحاب العبادات والرّسل ، ما يريد من الدّهريّ الصّرف ، الذي لا يقرّ إلا بما أوجده العيان ، وما يجري مجرى العيان - فقد ظلم . وقد علم الدّهريّ أنّنا نعتقد أنّ لنا ربّا يخترع الأجسام اختراعا وأنّه حيّ لا بحياة ، وعالم لا بعلم ، وأنّه شيء لا ينقسم ، وليس بذي طول ولا عرض ولا عمق ، وأنّ الأنبياء تحيي الموتى . وهذا كلّه عند الدهريّ مستنكر ، وإنما كان يكون له علينا سبيل لو لم يكن الذي ذكرنا جائزا في القياس ، واحتجنا إلى تثبيت الرّبوبيّة وتصديق الرّسالة ، فإذا كان ذلك جائزا ، وكان كونه غير مستنكر ، ولا محال ، ولا ظلم ، ولا عيب ، فلم يبق له إلّا أن يسألنا عن الأصل الذي دعا إلى التّوحيد ، وإلى تثبيت الرسل . وفي كتابنا المنزّل الذي يدلّنا على أنّه صدق ، نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد ، مع ما سوى ذلك من الدّلائل التي جاء بها من جاء به . وفيه مسطور أنّ سليمان بن داود غبر حينا - وهو ميّت - معتمدا على عصاه ، في الموضع الذي لا يحجب عنه إنسيّ ولا جنّيّ ، والشّياطين مهم المكدود بالعمل الشديد ، ومنهم المحبوس والمستعبد ، وكانوا كما قال اللّه تعالى :
هامش
[ 1 ] إشارة إلى وقعة أحد ، وهي التي ورد ذكرها في سورة آل عمران ؛ الآيات 122 - 126 .