ومن سنّتهم [ 1 ] : أنّ كلّ من علا الكعبة من العبيد فهو حرّ ، لا يرون الملك على من علاها ، ولا يجمعون بين عزّ علوّها وذلة الملك .
وبمكة رجال من الصّلحاء لم يدخلوا الكعبة قطّ .
وكانوا في الجاهليّة لا يبنون بيتا مربّعا ؛ تعظيما للكعبة [ 2 ] . والعرب تسمّي كلّ بيت مربّع كعبة ، ومنه : كعبة نجران [ 3 ] . وكان أوّل من بنى بيتا مربّعا حميد بن زهير ، أحد بني أسد بن عبد العزّى .
ثمّ البركة والشفاء الذي يجده من شرب من ماء زمزم على وجه الدهر وكثرة من يقيم عليه يجد فيه الشفاء ، بعد أن لم يدع في الأرض حمّة إلّا أتاها ، وأقام عندها ، وشرب منها ، واستنقع فيها [ 4 ] .
هذا مع شأن الفيل ، والطّير الأبابيل ، والحجارة السّجّيل ، وأنّها لم تزل أمنا ولقاحا [ 5 ] ، لا تؤدّي إتاوة ، ولا تدين للملوك ، ولذلك سمّي البيت العتيق ؛ لأنّه لم يزل حرّا لم يملكه أحد .
وقال حرب بن أميّة في ذلك [ 6 ] : [ من الوافر ]
أبا مطر هلمّ إلى صلاح * فتكفيك النّدامى من قريش
فتأمن وسطهم وتعيش فيهم * أبا مطر هديت لخير عيش
وتنزل بلدة عزّت قديما * وتأمن أن يزروك ربّ جيش
وقال اللّه عزّ وجلّ :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
[ 7 ] وقال عزّ وجلّ ، حكاية عن إبراهيم :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
[ 8 ] .
هامش
[ 1 ] انظر الحاشية السابقة .
[ 2 ] ثمار القلوب ( 66 ) .
[ 3 ] نجران : أقدم بلاد اليمن ، وكانت لها كعبة تحجّ فخرّبت وبطلت . وضرب بها المثل في الخراب وزوال الدولة . انظر ثمار القلوب ( 751 ) ، ومعجم البلدان 5 / 268 .
[ 4 ] انظر ثمار القلوب ( 804 - 805 ) .
[ 5 ] اللقاح : الذي ليس في سلطان ملك . الكامل 2 / 306 ( طبعة المعارف ) .
[ 6 ] الأبيات في معجم البلدان 3 / 419 ( صلاح ) ، والكامل 2 / 306 ، واللسان والتاج وأساس البلاغة وعمدة الحفاظ ( صلح ) ، وما بنته العرب على فعال 18 ، والأول في التنبيه والإيضاح 1 / 253 ، وهو بلا نسبة في المخصص 13 / 181 ، والجمهرة 543 .
[ 7 ] 125 / البقرة : 2 .
[ 8 ] 37 / إبراهيم : 14 .