فإذا كلب من الغيظ والغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكلب ، وليس أنّ هناك دما في الحقيقة يشرب ولولا قول عاصم بن القرّيّة : « والنّطاسيّ واقف » . لكان ذلك التأويل جائزا .
وقول عوف بن الأحوص : [ من الوافر ]
ولا العنقاء ثعلبة بن عمرو * دماء القوم للكلبي شفاء « 1 »
وفي الكلب يقول الأعشى : [ من الطويل ]
أراني وعمرا بيننا دقّ منشم * فلم يبق إلّا أن يجنّ وأكلبا « 2 »
ألا ترى أنّه فرّق بينهما ، ولو كان كما قال لبيد بن ربيعة : [ من البسيط ]
يسعى خزيمة في قوم ليهلكهم * على الحمالة هل بالمرء من كلب « 3 »
لكان ذلك على تأويل ما ذهبوا إليه جائزا ، وقال الآخر : [ من الطويل ]
وأمر أميري قد أطعتم فإنّما * كواه بنار بين عينيه مكلب « 4 »
وهذا عندي لا يدخل في الباب الأوّل ، وقد جعلوه منه .
271 - [ طباع الكلب العجيبة ]
قال صاحب الكلب : وزعمتم أنّه يبلغ من فضل قوّة طباع الدّيك في الإلقاح ، أنّه متى سفد دجاجة وقد احتشت بيضا صغارا من نتاج الرّيح والتراب ، قلبها كلّها حيوانا ولو لم يكن سفدها إلّا مرّة واحدة ، وجعلتموه في ذلك بغاية الفحلة ، فطباع الكلب أعجب إلقاحا وأثقب ، وأقوى وأبعد ، لأنّ الكلب إذا عضّ إنسانا ، فأوّل ذلك أن يحيله نبّاحا مثله ، وينقله إلى طباعه ، فصار ينبح ، ثم يحبله ويلقحه بأجراء صغار يبولها علقا في صور الكلاب ، على بعد ما بين العنصرين والطّبعين والجنسين ، والذي يتولّد في أرحام الدجاج ، أقرب مشاكلة إلى طباع الديك ، فالكلب هو العجب العجيب ، لأنّه أحبل ذكرا من خلاف جنسه ، ولأنّه مع الإحبال والإلقاح ، أحاله نبّاحا
هامش
( 1 ) البيت لعوف بن الأحوص في المفضليات 175 ، وشرح اختيارات المفضل 809 ، وبلا نسبة في المقاييس 4 / 162 ، والتاج ( عنق ) .
( 2 ) ديوان الأعشى 167 ، واللسان ( نشم ) ، وتهذيب اللغة 11 / 382 .
( 3 ) ديوان لبيد 349 . الحمالة : الدية التي يحملها قوم عن قوم .
( 4 ) في اللسان : كدا ( كدا : داء يأخذ الجراء خاصة ؛ يصيبها منه قيء وسعال ، حتى يكون ما بين عينيه فيذهب . كدي الكلب كدا : إذا نشب العظم في حلقه ) .