تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
الرجوع ، والأنفة من الخضوع ؛ وعن جميع ذلك تحدث الضغائن ، ويظهر التباين . وإذا كانت القلوب على هذه الصّفة وعلى هذه الهيئة ، امتنعت من التعرّف ، وعميت عن مواضع الدلالة ، وليست في الكتب علّة تمنع من درك البغية ، وإصابة الحجّة ، لأنّ المتوحّد بدرسها ، والمنفرد بفهم معانيها ، لا يباهي نفسه ولا يغالب عقله ، وقد عدم من له يباهي ومن أجله يغالب « 1 » .

51 - [ الكتاب قد يفضل الكاتب ] « 2 »

والكتاب قد يفضل صاحبه ، ويتقدّم مؤلّفه ، ويرجّح قلمه على لسانه بأمور : منها أنّ الكتاب يقرأ بكلّ مكان ، ويظهر ما فيه على كلّ لسان ، ويوجد مع كلّ زمان ، على تفاوت ما بين الأعصار ، وتباعد ما بين الأمصار ، وذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب ، والمنازع في المسألة والجواب . ومناقلة اللسان وهدايته لا تجوزان مجلس صاحبه ، ومبلغ صوته . وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه ، ويذهب العقل ويبقى أثره . ولولا ما أودعت لنا الأوائل في كتبها ، وخلّدت من عجيب حكمتها ، ودوّنت من أنواع سيرها ، حتّى شاهدنا بها ما غاب عنّا ، وفتحنا بها كلّ مستغلق كان علينا ، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم ، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلّا بهم ، لما حسن حظّنا من الحكمة ، ولضعف سببنا إلى المعرفة . ولو لجأنا إلى قدر قوّتنا ، ومبلغ خواطرنا ، ومنتهى تجاربنا لما تدركه حواسّنا ، وتشاهده نفوسنا ، لقلّت المعرفة ، وسقطت الهمّة ، وارتفعت العزيمة ، وعاد الرأي عقيما ، والخاطر فاسدا ، ولكلّ الحدّ وتبلّد العقل .

52 - [ أشرف الكتب ]

وأكثر من كتبهم نفعا ، وأشرف منها خطرا ، وأحسن موقعا ، كتب اللّه تعالى ، فيها الهدى والرحمة ، والإخبار عن كلّ حكمة ، وتعريف كلّ سيّئة وحسنة . وما زالت كتب اللّه تعالى في الألواح والصّحف ، والمهارق « 3 » والمصاحف . وقال اللّه عزّ وجلّ
ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
« 4 » . وقال
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 5 » . ويقال لأهل التّوراة والإنجيل : أهل الكتاب .
هامش
( 1 ) ورد هذا القول في رسائله 4 / 296 ، مع خلاف يسير . ( 2 ) انظر رسائل الجاحظ 4 / 296 - 297 . ( 3 ) المهارق : جمع مهرق ، وهي الصحيفة البيضاء يكتب فيها ، فارسي معرب . اللسان ( هرق ) . ( 4 ) . 1 : البقرة / 2 . ( 5 ) الأنعام / 6 : 38 .