53 - [ مواصلة خدمة العلم ]
وينبغي أن يكون سبيلنا لمن بعدنا ، كسبيل من كان قبلنا فينا . على أنّا وقد وجدنا من العبرة أكثر ممّا وجدوا ، كما أنّ من بعدنا يجد من العبرة أكثر ممّا وجدنا .
فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده ، وما يمنع الناصر للحقّ من القيام بما يلزمه ، وقد أمكن القول وصلح الدهر وخوى نجم التّقيّة « 1 » ، وهبّت ريح العلماء ، وكسد العيّ والجهل ، وقامت سوق البيان والعلم ؟ ! وليس يجد الإنسان في كل حين إنسانا يدرّبه ، ومقوّما يثقّفه . والصبر على إفهام الريّض شديد ، وصرف النفس عن مغالبة العالم أشدّ منه ، والمتعلّم يجد في كلّ مكان الكتاب عتيدا ، وبما يحتاج إليه قائما وما أكثر من فرّط في التعليم أيّام خمول ذكره ، وأيّام حداثة سنّه ! ! ولولا جياد الكتب وحسنها ، ومبيّنها ومختصرها ، لما تحرّكت همم هؤلاء لطلب العلم ، ونزعت إلى حبّ الأدب ، وأنفت من حال الجهل ، وأن تكون في غمار الحشو ، ولدخل على هؤلاء من الخلل والمضرّة ، ومن الجهل وسوء الحال ، وما عسى ألا يمكن الإخبار عن مقداره ، إلّا بالكلام الكثير ، ولذلك قال عمر رضي اللّه تعالى عنه : « تفقّهوا قبل أن تسودوا » « 2 » .
54 - [ فائدة كتب أبي حنيفة ]
وقد تجد الرجل يطلب الآثار وتأويل القرآن ، ويجالس الفقهاء خمسين عاما ، وهو لا يعدّ فقيها ، ولا يجعل قاضيا ، فما هو إلّا أن ينظر في كتب أبي حنيفة ، وأشباه أبي حنيفة ، ويحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو سنتين ، حتى تمرّ ببابه فتظن أنه من باب بعض العمّال ، وبالحرا « 3 » ألّا يمرّ عليه من الأيّام إلّا اليسير ، حتّى يصير حاكما على مصر من الأمصار ، أو بلد من البلدان .
55 - [ ضرورة تنقيح المؤلفات ]
وينبغي لمن كتب كتابا ألا يكتبه إلّا على أنّ النّاس كلّهم له أعداء ، وكلّهم عالم بالأمور ، وكلّهم متفرّغ له ، ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه غفلا ، ولا يرضى بالرأي الفطير ، فإنّ لابتداء الكتاب فتنة وعجبا ، فإذا سكنت الطبيعة وهدأت الحركة ،
هامش
( 1 ) خوى النجم : اختفى . التقية : الحذر والخوف .
( 2 ) ورد حديث عمر في النهاية 2 / 418 ، أي تعلموا العلم ما دمتم صغارا .
( 3 ) الحرا : الخليق .