تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
الموتى ، ولا نحوّل الأحمق عاقلا ، ولا البليد ذكيّا ، ولكنّ الطبيعة إذا كان فيها أدنى قبول ، فالكتب تشحذ وتفتق ، وترهف وتشفي . ومن أراد أن يعلم كلّ شيء ، فينبغي لأهله أن يداووه ! فإنّ ذلك إنما تصوّر له بشيء اعتراه ! ! فمن كان ذكيّا حافظا فليقصد إلى شيئين ، وإلى ثلاثة أشياء ، ولا ينزع عن الدرس والمطارحة ، ولا يدع أن يمرّ على سمعه وعلى بصره وعلى ذهنه ، ما قدر عليه من سائر الأصناف ، فيكون عالما بخواصّ . ويكون غير غفل من سائر ما يجري فيه الناس ويخوضون فيه . ومن كان مع الدرس لا يحفظ شيئا ، إلّا نسي ما هو أكثر منه ، فهو من الحفظ من أفواه الرجال أبعد .

34 - [ جمع الكتب وفضلها ]

وحدّثني موسى بن يحيى قال : ما كان في خزانة كتب يحيى ، وفي بيت مدارسه كتاب إلّا وله ثلاث نسخ . وقال أبو عمرو بن العلاء : ما دخلت على رجل قطّ ولا مررت ببابه ، فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ اليد ، إلّا اعتقدت أنّه أفضل منه وأعقل . وقال أبو عمرو بن العلاء : قيل لنا يوما : إنّ في دار فلان ناسا قد اجتمعوا على سوأة ، وهم جلوس على خميرة لهم ، وعندهم طنبور . فتسوّرنا عليهم في جماعة من رجال الحيّ ، فإذا فتى جالس في وسط الدار ، وأصحابه حوله ، وإذا هم بيض اللّحى ، وإذا هو يقرأ عليهم دفترا فيه شعر . فقال الذي سعى بهم : السّوءة في ذلك البيت ، وإن دخلتموه عثرتم عليها ! فقلت : واللّه لا أكشف فتى أصحابه شيوخ ، وفي يده دفتر علم ، ولو كان في ثوبه دم يحيى بن زكريّاء ! ! وأنشد رجل يونس النحويّ : [ من البسيط ]
استودع العلم قرطاسا فضيّعه * فبئس مستودع العلم القراطيس « 1 »
قال ، فقال يونس : قاتله اللّه ، ما أشدّ ضنانته بالعلم ، وأحسن صيانته له ، إنّ علمك من روحك ، ومالك من بدنك ، فضعه منك بمكان الرّوح ، وضع مالك بمكان البدن ! ! وقيل لابن داحة - وأخرج كتاب أبي الشمقمق ، وإذا هو في جلود كوفيّة ،
هامش
( 1 ) البيت بلا نسبة في أساس البلاغة واللسان والتاج ( ودع ) .