تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
فلسفة ، وكتب مقاييس وسنن وتبيّن وتبيين ، أو لو كانت كتبهم كتبا تعرّف الناس أبواب الصّناعات ، أو سبل التكسّب والتجارات ، أو كتب ارتفاقات ورياضات ، أو بعض ما يتعاطاه الناس من الفطن والآداب - وإن كان ذلك لا يقرّب من غنى ولا يبعد من مأثم - لكانوا ممّن قد يجوز أن يظنّ بهم تعظيم البيان ، والرغبة في التبيّن ، ولكنّهم ذهبوا فيها مذهب الدّيانة ، وعلى طريق تعظيم الملّة ، فإنّما إنفاقهم في ذلك ، كإنفاق المجوس على بيت النار ، وكإنفاق النصارى على صلبان الذهب ، أو كإنفاق الهند على سدنة البددة « 1 » . ولو كانوا أرادوا العلم لكان العلم لهم معرضا ، وكتب الحكمة لهم مبذولة ، والطرق إليها سهلة معروفة . فما بالهم لا يصنعون ذلك إلّا بكتب دياناتهم ، كما يزخرف النصارى بيوت عباداتهم ! ولو كان هذا المعنى مستحسنا عند المسلمين ، أو كانوا يرون أنّ ذلك داعية إلى العبادة ، وباعثة على الخشوع ، لبلغوا في ذلك بعفوهم ، ما لا تبلغه النصارى بغاية الجهد .

30 - [ مسجد دمشق ]

وقد رأيت مسجد دمشق ، حين استجاز هذا السبيل ملك من ملوكها ، ومن رآه فقد علم أنّ أحدا لا يرومه ، وأنّ الروم لا تسخوا أنفسهم به ، فلمّا قام عمر بن عبد العزيز ، جلّله بالجلال ، وغطّاه بالكرابيس « 2 » ، وطبخ سلاسل القناديل حتّى ذهب عنها ذلك التلألؤ والبريق ؛ وذهب إلى أنّ ذلك الصنيع مجانب لسنّة الإسلام ، وأنّ ذلك الحسن الرائع والمحاسن الدّقاق ، مذهلة للقلوب ، ومشغلة دون الخشوع ، وأنّ البال لا يكون مجتمعا وهناك شيء يفرّقه ويعترض عليه .

31 - [ مضمون كتب الزنادقة ]

والذي يدلّ على ما قلنا ، أنّه ليس في كتبهم مثل سائر ، ولا خبر طريف ، ولا صنعة أدب ، ولا حكمة غريبة ، ولا فلسفة ، ولا مسألة كلاميّة ، ولا تعريف صناعة ، ولا استخراج آلة ، ولا تعليم فلاحة ، ولا تدبير حرب ، ولا مقارعة عن دين ، ولا مناضلة عن نحلة ، وجلّ ما فيها ذكر النور والظلمة ، وتناكح الشياطين ، وتسافد العفاريت ، وذكر الصنديد ، والتهويل بعمود السنخ ، والإخبار عن شقلون ، وعن الهامة والهمامة . وكلّه هذر وعيّ وخرافة ، وسخرية وتكذّب ، لا ترى فيه موعظة حسنة ، ولا حديثا مونقا ،
هامش
( 1 ) البددة : جمع بدّ ، وهو الصنم ، والبدّ هو « بوذا » عند الهنود . ( 2 ) الكرابيس : جمع كرباس ، وهو ثوب من القطن ( اللسان : كربس ) .