تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحديث في علوم القرآن والحديث — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
( من تلك الوقائع ) أن استقبال بيت المقدس في الصلاة لم يعرف إلا من السنة وقد نسخه قوله تعالى :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[ سورة البقرة آية : 144 ] . ومنها : أن الأكل والشرب والمباشرة كان محرما في ليل رمضان على من صام . ثم نسخ هذا التحريم بقوله تعالى :
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
[ سورة البقرة آية : 187 ] . ومنها : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أبرم مع أهل مكة عام الحديبية صلحا كان من شروطه : أن من جاء منهم مسلما رده عليهم ، وقد وفّى بعهده في أبي جندل وجماعة من المكيين جاءوه مسلمين . ثم جاءته امرأة فهمّ أن يردها فأنزل اللّه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
[ سورة الممتحنة آية : 10 ] .

شبهة للمانعين ودفعها :

أورد المانعون على هذا الاستدلال المعتمد على تلك الوقائع شبهة قالوا في تصويرها : يجوز أن يكون النسخ فيما ذكرتم ثابتا بالسنة ، ثم جاء القرآن موافقا لها ، وبهذا يؤول الأمر إلى نسخ السنة بالسنة ، ويجوز أن الحكم المنسوخ كان ثابتا أولا بقرآن ، نسخت تلاوته ثم جاءت السنة موافقة له ، وبهذا يؤول الأمر إلى نسخ القرآن بقرآن . وندفع هذه الشبهة بأنها قائمة على مجرد احتمالات واهية لا يؤيدها دليل ، ولو فتحنا بابها وجعلنا لها اعتبارا ، لما جاز لفقيه أن يحكم على نص بأنه ناسخ لآخر إلا إذا ثبت ذلك صريحا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكن ذلك باطل بإجماع الأمة على خلافه ، واتفاقها على أن الحكم إنما يسند إلى دليله الذي لا يعرف سواه بعد الاستقراء الممكن .

القسم الرابع : نسخ السنة بالسنة :

ويتنوع إلى أنواع أربعة : نسخ سنة متواترة بمتواترة ، ونسخ سنة آحادية بآحادية ، ونسخ سنة آحادية بسنة متواترة ، ونسخ سنة متواترة بسنة آحادية . أما الثلاثة الأول فجائزة عقلا وشرعا . وأما الرابع وهو نسخ سنة متواترة بآحادية : فاتفق علماؤنا على جوازه عقلا ، ثم اختلفوا في جوازه شرعا ، فنفاه الجمهور ، وأثبته أهل الظاهر . أدلة الجمهور : استدل الجمهور على مذهبهم بدليلين : أولهما : أن المتواتر قطعي الثبوت وخبر الواحد ظني ، والقطعي لا يرتفع بالظني ؛