المبحث الثالث : نزول جبريل عليه السلام توقيفي :
يراد من هذا المبحث التأكيد على حقيقة هامة في نقل القرآن من السماء إلى الأرض هي : التوقيفية في ذلك النقل ، ذلك بأن جبريل عليه السلام ليس له من أمر الوحي القرآني شيء ، فنزوله كان بأمر اللّه عزّ وجل ، وبعد صدور أمره سبحانه وتعالى ، يكون نزول جبريل عليه السلام بإذنه ، وعليه فإن نزول جبريل عليه السلام بأمر وإذن إلهي قبل النزول ، مستصحبان مع النزول :
كما هو ظاهر من قوله تعالى
فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
" البقرة / 97 " ، ولذا قال أبو المسعود - رحمه اللّه تعالى - :
بِإِذْنِ اللَّهِ
" بأمره ، وتيسيره ، وفيه تلويح بكمال توجه جبريل عليه السلام إلى تنزيله ، وصدق عزيمته عليه السلام ، وهو حال فاعل نزله " « 1 » ، وقال الصاوي - رحمه اللّه تعالى - " المراد بالإذن الأمر لا العلم " « 2 » .
فاجتمع في قوله
بِإِذْنِ اللَّهِ
: نزول جبريل عليه السلام بالقرآن عن أمر اللّه السابق ، ثم تيسيره له ذلك وتسهيله ، وهو مؤكد للمصدرية الإلهية للقرآن الكريم ، فما كان لجبريل عليه السلام من هوى شخصي ، ولا إرادة ذاتية في أن ينزله على قلبك ، لأنه لا يعدو أن يكون منفذا لإرادة اللّه عزّ وجل ، وإذنه في تنزيل القرآن على قلبك ، ومنه نستنتج أمرا بالغ الأهمية هو : التوقيفية في نزول الملك :
فعن ابن عباس رضى اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : يا جبريل ! ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ، فنزلت
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا
" مريم / 64 " إلى آخر الآية ، قال : كان هذا الجواب لمحمد صلى اللّه عليه وسلم « 3 » ، فقد تجذرت صفة الحق في كل أجزاء
هامش
( 1 ) تفسير أبي السعود 1 / 220 ، مرجع سابق .
( 2 ) حاشية الصاوي 1 / 72 ، مرجع سابق ، ولا مانع من إرادة الأمرين ، بل هو الظاهر ، وبلاغة القرآن تشير إليه .
( 3 ) صحيح البخاري 6 / 2713 ، مرجع سابق .