أو جهريا . وأخذ هذا المستنتج مما أورده ابن منظور في لسان العرب ، حيث قال : " معنى قرأت القرآن : لفظت به مجموعا أي ألقيته " « 1 » .
وأما خامسا : فالقراءة الحقيقية للقرآن من حيث هي قراءة للقرآن
هي التي يكون الصوت فيها مجهورا مسموعا ، ولا يرد على هذا الأصل ورود القراءة السرية في الشرع ؛ ذلك أنه لا إشكال في تسميتها قراءة ، لكن لا يطلق عليها هذا الإطلاق إلا وهي مقيدة به ، أما مطلق القراءة دون قيد فتصرف إلى القراءة المجهور بها ، ويدل على هذا الأصل حديث ابن عباس رضى اللّه عنه قال : قرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما أمر ، وسكت فيما أمر
. . . وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
" مريم / 64 "
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . . .
" الأحزاب / 21 " ، وأوله : ( سمع قوما يتقارءون ) « 2 » ، معناه : أنه كان لا يجهر فيها ، أو لا يسمع نفسه قراءته ، وقال ابن منظور : " كأنه رأى قوما يقرءون فيسمعون نفوسهم ومن قرب منهم " « 3 » .
فأشعر الكلام بمنطوقه أن المخافتة في قراءة القرآن ليست هي الأصل ، بل تكون مقيدة بالمخافتة عند طلبها لتكون كذلك . . . ويبقى هذا الاستنتاج بحاجة إلى غربلة وقوة بحث ليكون كسابقيه « 4 » ، من حيث قوة الثبوت « 5 » .
هامش
( 1 ) لسان العرب 22 / 78 ، مرجع سابق ، وفي 11 / 80 منه : " قال أبو إسحاق النحوي : وقرأت القرآن لفظت به مجموعا " .
( 2 ) صحيح البخاري 1 / 268 ، مرجع سابق ، والذي عند ابن منظور لفظه : ( كان لا يقرأ في الظهر والعصر ) .
( 3 ) لسان العرب 11 / 79 ، مرجع سابق ، وهو ما قرره ابن الأثير في معناها ، انظر النهاية 3 / 123 ، مرجع سابق .
( 4 ) لعل في قوله سبحانه وتعالىوَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها" الإسراء / 110 " إشارة إلى هذه المسألة . وغير خاف أن الجهر المتحدث عنه هو المعتدل لا المزعج المستقبح ، ثم هو في كل حال بحسبه . انظر : روح المعاني 15 / 278 ، مرجع سابق .
( 5 ) وتقدم في الفصل الرابع ص 232 أن أول أسس حفظ القرآن حفظه في الصدر ، وقد تقرر أن القراءة المجهورة هي المناسبة للفظ والفهم ، في حين تقتصر القراءة الخفية على قدر من الفهم فحسب غالبا . انظر : مقال ( ظاهرة النسيان ) مجلة البيان ، العدد 105 ، جمادى الأولى 1417 ه .