أصوات خارجة من مخارجها ، تصير بضمها وجمعها لبعضها قرآنا ، ويسمى النطق بها تلاوة ، فهي نوع خاص من القراءة ، صارت مقترنة بالقرآن ، وهذه الأحرف تخرج مظهرة ، مبيّنة ، محددة كما حددها الشارع « 1 » ، وهو القول الاشتقاقي الخامس .
وبهذا يكون أصل التفكير في الأصل اللغوي لكلمة ( قرآن ) قد اتحد ، وإن اختلفت عبارات المعبرين عنه ، وهو معنى الجمع والضم ، ولكن بعضهم عبر عن ذلك بما يؤول إليه جمع الحروف ، وقرنها ببعضها عند نطق القارئ بها في خصوص القرآن فسماه تلاوة ، وبعضهم نظر إلى أن حروف القرآن لا تكون كذلك حال التلفظ بها إلا أن تخرج محددة مبيّنة مظهرة ، فجعل الاشتقاق آتيا من ذلك .
ولمعرفة الأصل التفكيري في اشتقاق هذه الكلمة أهمية بالغة ، كان ما سبق أول ملامحها .
وأما ثانيا : فإن كون الخطاب الشرعي واردا بأصل الوضع العربي
، فتفهم مفرداته من خلال مقتضيات الدلالة في اللغة العربية « 2 » . . . يسوغ لنا - إن لم يحتم علينا - أن ننظر في مقتضيات الدلالة اللغوية لمادة ( قرأ ) ، ونعتمد تلك الدلالات كحقائق ما لم يخصصها - تعديلا أو إلغاء - قرين شرعي .
فمن ذلك : أن كون ( قرآن ) قد صارت علما شخصيا يحتم قراءة ألفاظها ، وفق خصوصيتها ، ولا تصح فيها كل قراءة يطلق عليها قراءة .
وأما ثالثا : فإن كلمة ( قرآن ) تدل في أصل معناها على الجمع
كما سبق ، وهذا يقتضي أن تكون الحروف مجموعة في كلمتها حال النطق ، فلا يجوز نطق كل حرف في الكلمة مستقلا عن قرينه في الكلمة ذاتها ، كما لا بد من قدر من اجتماع الكلمات أثناء
هامش
( 1 ) هذا هو أصل فكرة التوقيف .
( 2 ) انظر : الموافقات في أصول الشريعة 2 / 89 ، مرجع سابق ، عند الكلام على مقاصد الشريعة في وضع الشريعة للإفهام .