المطلب الثاني : معالجة مشكلة التهمة بقصور العاطفة البشرية ، والتفكير البشري :
أما العاطفة البشرية التي يحتمل اتهام الرسول صلى اللّه عليه وسلم بها فيمكن أخذ التهمة بالخوف من عدم قبول الكفار لبعض القرآن نموذجا ؛ إذ قد يتهم بأن ذلك دفعه إلى كتم بعض القرآن ، وهو ربما الذي دفع بعض القصّاص المتأخرين ليدبجوا مهازيل من الأحاديث بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يود ألا ينزل ما ينفر الكفار منه .
فيؤخذ هذا النموذج في نفي هذه التهمة :
حيث يقول اللّه سبحانه وتعالى
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
" التكوير / 24 " ، وقد ورد في هذه الآية تأويلان بحسب القراءتين الواردتين فيها « 1 » ، وكل قراءة تتضمن معنى ثانيا بحسب النظر إلى حرف الاستعلاء ( على ) ، فصارت هذه الكلمة نافية لأربعة معان ، ترجع إلى الشبهة المذكورة في المطلب بأعظم الأساليب إعجازا :
فالقراءة الأولى
بِضَنِينٍ
أي ببخيل . . . بل هو مبلّغ الوحي كله ، وبظنين بمتهم ، فنفى اللّه جلّ جلاله عنه النقص ، واعتوار الشك في الأمانة ، تأكيدا لقوله
أَمِينٍ
إن كان المراد « 2 » جبريل عليه السلام ، وإن كان المراد النبي صلى اللّه عليه وسلم فكذلك ، لا يبخل بالوحي ، ولا يقصر في التبليغ والتعليم .
أما الصفة الثانية المنفية في قراءة الضاد فهي الحرص ، وتلوح من بين ثنايا التعبير عن عدم التقصير بقوله
بِضَنِينٍ
أي ببخيل . . . مع أنه أمكن أن يقول بمقصر ؛ إذ إن
هامش
( 1 ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب بالظاء ، وقرأ الباقون بالضاد . انظر : طيبة النشر ، مرجع سابق ، عند قول الناظم : ( بظنين الظار غد حبر غنا . . . ) .
( 2 ) انظر : تفسير القرطبي 19 / 242 ، مرجع سابق ، فقد ذكر أن أهل التأويل اختلفوا في صاحب هذه الآيةوَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍجبريل عليه السلام ، أو محمد صلى اللّه عليه وسلم .