على أنه يلمح من خلال الوعد بذلك الأمر بما تضمنه الوعد ، ولعل هذا هو مراد من فسر الآية بالنهي ، إذ الوعد لا ينفي الأمر بفعل الأسباب التي تؤدي إلى عدم النسيان بل هو مقتض له .
7 - وحتى لا يخرج الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن صفاته البشرية بهذه الكفالة الإلهية
، فقد أخذت هذه الكفالة الإلهية قدرها الضروري ، وذلك من وقت سماع النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن من جبريل عليه السلام إلى الانتهاء من تبليغه ، وحفظه بوسائل الحفظ من قراءة ، وكتابة بحيث لا يمكن نسيانه من مجموع الأمة لكفالة اللّه عزّ وجل لها بالعصمة عن الخطأ ، فإذا ما تم ذلك فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم يعود إلى حالته الطبيعية البشرية فيعتريه النسيان ، وهذا هو معنى الاستثناء في قوله سبحانه وتعالى :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ . . .
أي أن بعض القرآن ينساه النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا شاء اللّه أن ينساه ، ويدخل في هذا : نوعان يرجعان إلى الحقيقة اللغوية لمادة " نسي » :
أولهما : النسخ في العمل :
وسماه الآلوسي : ( نفي نسيان المضمون ) ، فقال : " أي سنقرئك القرآن فلا تغفل عنه ، فتخالفه في أعمالك " « 1 » ، وقال القرطبي : " وقيل : النسيان بمعنى الترك ، أي يعصمك من أن تترك العمل به ، لا ما شاء اللّه أن تتركه لنسخه إياه ، فهذا نسخ في العمل " « 2 » ، وقال به الجنيد ، وأقره ابن كيسان النحوي « 3 » ، ويجعل هذا المفهوم للنسيان في حيز الثبات ما قرره أحمد بن يحيى ثعلب في قول اللّه عزّ وجل
. . . نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ . . .
" التوبة / 63 " : " لا ينسى اللّه عز وجل ، إنما معناه تركوا اللّه فتركهم ، فلما كان النسيان ضربا من الترك وضعه موضعه ، وقوله تعالى
. . . فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
" طه / 126 "
هامش
( 1 ) تفسير روح المعاني 30 / 188 ، مرجع سابق ، وانظر : تفسير الطبري 30 / 154 ، مرجع سابق ، فإنه أورد أسماء القائلين بالنسخ العملي .
( 2 ) تفسير القرطبي 20 / 19 ، مرجع سابق .
( 3 ) لسان العرب 14 / 132 ، مرجع سابق .