فقد تعين أن قوله جلّ جلاله
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
" الأعلى / 6 " وعد من اللّه عزّ وجل بعونه على حفظ جميع ما يوحى إليه « 1 » ، وافتتاح سورة الأعلى بقوله
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
" الأعلى / 2 - 3 " مؤذن بتقرير الحقيقة السابقة من حيث كمال التقرير ؛ " لأن لهذين الوصفين مناسبة بما اشتملت عليه السورة ، فإن الذي يسوي خلق النبي صلى اللّه عليه وسلم تسوية تلائم ما خلقه لأجله من تحمّل أعباء الرسالة ، لا يفوته أن يهيئه لحفظ ما يوحيه إليه ، وتيسيره عليه ، وإعطائه شريعة مناسبة لذلك التيسير " « 2 » ، وقال الإمام الآلوسي :
"
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
بيان لهدايته تعالى شأنه الخاصة برسوله ، إثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته سبحانه ، وهي هدايته لتلقي الوحي وحفظ القرآن " « 3 » . . . أي سنقرئك فلا تنسى أصلا من قوة الحفظ والإتقان ، مع أنك أمي لم تكن تدري ما الكتاب ، وما القراءة ، ليكون ذلك لك آية مع ما في تضاعيف ما تقرأه من الآيات البينات " « 4 » .
6 - إذا كانت آيات سورة القيامة
قد أرست أساس جمع القرآن في صدر النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يلقيه عليه جبريل عليه السلام وحددت له قواعد التلقين ؛ فإن هذه الآيات ترسى أساس بقاء ذلك الملقى إلى حين أدائه تبليغا للناس ، وإنما ابتدئ بقوله
سَنُقْرِئُكَ
تمهيدا للمقصود الذي هو
فَلا تَنْسى
، وإدماجا ، للإعلام بأن القرآن في تزايد مستمر ، فإذا كان قد خاف من نسيان بعض ما أوحي إليه على حين قلته ؛ فإنه سيتتابع ويتكاثر فلا يخشى نسيانه ، فقد تكفل له عدم نسيانه مع تزايده . . . والسين علامة استقبال مدخولها . . .
فهي دالة على أن الإقراء يستمر ، ويتجدد . . . وقوله
. . . فَلا تَنْسى
خبر مراد به الوعد والتكفل له بذلك « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر : التحرير 30 / 279 ، مرجع سابق .
( 2 ) التحرير 30 / 279 ، مرجع سابق .
( 3 ) وقريب من هذا قرر الإمام الشوكاني في فتح القدير 4 / 522 ، مرجع سابق ، والصاوي في حاشيته 4 / 411 ، مرجع سابق ، وتفسير أبي السعود 5 / 517 ، مرجع سابق .
( 4 ) روح المعاني 30 / 188 ، مرجع سابق ، ولعله نقل هذه العبارات من أبي السعود 5 / 518 ، مرجع سابق .
( 5 ) انظر : التحرير والتنوير 30 / 280 ، مرجع سابق ، وانظر : روح المعاني 30 / 188 ، مرجع سابق ، فقد ذكر قولا غريبا في معنىسَنُقْرِئُكَهو تعلم النبي القراءة دون كتابة ، ثم رده . . . وقيل : إن قوله تعالىفَلا تَنْسى، نهي ، أو خبر أريد به النهي وهو قول ضعيف مردود ، انظر : القرطبي 20 / 19 ، مرجع سابق ، وروح المعاني 30 / 188 مرجع سابق .