النبي صلى اللّه عليه وسلم بأوله مخافة أن يغشى عليه ) ، فقال له جبريل : لم تفعل ذلك ؟ قال : مخافة أن أنسى فأنزل اللّه عزّ وجل
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
" ، ولذا قرر الشوكاني أن : " السهو والنسيان فيما طريقه البلاغ غير جائز " « 1 » ، وقد سبق تعميم هذه الجزئية في عصمته صلى اللّه عليه وسلم « 2 » .
وفي قوله عزّ وجل
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
" الفاعل ضمير مستتر تقديره نحن يعود على اللّه عزّ وجل ، وفي ذلك فوائد :
أولها : التكفل بإقرائه صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك ضمان بأن يصل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم كما أراد اللّه جلّ جلاله أن يصل لا كما تتحمله قوى البشر ، فإيثار وصف
الْأَعْلَى
في هذه السورة لأنها تضمنت التنويه بالقرآن والتثبيت على تلقيه .
وثانيها : دفع فطرة النسيان الخلقي في الرسول صلى اللّه عليه وسلم في فترة إلقاء القرآن عليه إلى أن يبلغه ، فهذا موقع البيان الصريح بوعده بأنه سيعصمه من نسيان ما يقرئه ، فيبلغه كما أوحي إليه ويحفظه من التفلت عليه « 3 » .
وثالثها : أن التكفل بالأمرين تكفل إلهي مباشر ليس لجبريل عليه السلام فيه شيء إلا قراءة القرآن عليه لحكمة عظيمة هي تثبيت مبدأ التلقين في نقل القرآن الكريم ، وقد مضت الإشارة إليها « 4 » ، أما إقراؤه بمعنى جمع القرآن في صدره ، ودفع النسيان عنه في الفترة المذكورة فأمر إلهي محض ، ودليله ما سبق « 5 » ، والضمير في قوله جلّ جلاله
سَنُقْرِئُكَ
، وما ذكر في تحليل آيات سورة القيامة « 6 » ، ومبدأ استشعار المصدرية الإلهية .
هامش
( 1 ) فتح القدير 3 / 579 ، مرجع سابق .
( 2 ) انظر : المبحث الأول من هذا الفصل ص 253 .
( 3 ) انظر : التحرير 30 / 279 ، مرجع سابق .
( 4 ) انظر : المبحث السابع من الفصل الثالث ص 135 وما بعدها .
( 5 ) انظر : حديث المعالجة في المبحث السادس من الفصل الثالث ص 113 .
( 6 ) انظر : المبحث السادس من الفصل الثالث ص 116 .