والحفظ هنا ينصرف انصرافا أوليا إلى حفظ الألفاظ ؛ لأنه قد علم أن المعنى غير منضبط إلا بضبط لفظه له ، فحفظ اللفظ مقتض لحفظ المعنى ، وحفظ المعنى مستلزم لحفظ اللفظ .
وإذا كان ذلك كذلك ، فما نوع نسبة القرآن في قوله - تعالى ذكره -
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
" الحاقة / 40 ، التكوير / 19 " ؟ .
لا يشك من له علم في كلام العرب ، وتصاريف أنواع خطابه ، بل من يعاصر الأقوام في عاداتهم الكلامية أن النسبة إلى جبرئيل عليه السلام نسبة أداء ، لا نسبة إنشاء ، وهو لازم وصفه بالرسالة ، لأنه واسطة فيه ، وناقل له عن مرسله ، وهو اللّه - تعالى ذكره - ، إذ إضافة القول إلى الرسول إنما هو لأدنى ملابسة لأن جبريل عليه السلام يبلغ ألفاظ القرآن إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فيحكيها كما أمره اللّه عزّ وجل ، فهو قائلها أي صادرة منه ألفاظها ، لا أنه منشئ ألفاظها ، لذا قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - في تفسير سورة التكوير : وأضاف الكلام إلى جبريل عليه السلام ثم عداه عنه بقوله
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
" الحاقة / 43 " ، ليعلم أهل التحقيق في التصديق أن الكلام للّه عزّ وجل « 1 » ، وبذلك صرح سائر العلماء « 2 » ، فقوله تعالى
لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
" التكوير / 19 " معناه لقول الرسول أي لقوله المبلغ له عن اللّه سبحانه وتعالى ، فقرينة ذكر الرسول تدل على أنه إنما يبلغ شيئا أرسل به ؛ فالكلام كلام اللّه سبحانه وتعالى :
ألفاظه ، ومعانيه ، وجبريل عليه السلام مبلغ عن اللّه ، وبهذا الاعتبار نسب القول له « 3 » .
هامش
( 1 ) ( القرطبي ) أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي : الجامع لأحكام القرآن 9 / 240 ، 1405 ه - 1985 م ، دار إحياء التراث العربي - بيروت .
( 2 ) انظر : تفسير الجلالين ، وبهامشه حاشية الصاوي 4 / 389 ، دار الفكر بيروت 1414 ه - 1993 م ، قدم له وأشرف على تصحيحه : صدقي محمد جميل ، والتحرير والتنوير 30 / 155 ، مرجع سابق ، وروح المعاني 30 / 104 .
( 3 ) ( الشنقيطي ) محمد الأمين بن محمد المختار الجكني : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 7 / 703 ، عالم الكتب - بيروت ، فالقول الذي ينزل به على قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم ليس قوله من حيث الحقيقة كما تقدم ، بل يأخذ فيه صفة الرسالة ،